روائح لا تليق بصورة المغرب

بقلم الإعلامي عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب

الرحلة بالقطار ليست مجرد وسيلة للانتقال من مدينة إلى أخرى، بل هي نافذة يطل منها المسافر على صورة الوطن. فمن خلف نوافذ العربات تمتد الحقول الخضراء، والسهول الخصبة، والقرى الوادعة، في مشهد يعكس غنى المغرب الطبيعي وتنوعه الجغرافي. غير أن هذه الصورة الجميلة تتعثر، في بعض المحطات، بواقع بيئي يفرض نفسه بقوة، حين تخترق عربات القطار روائح كريهة تفسد متعة السفر وتترك انطباعًا لا ينسجم مع المكانة التي يتطلع إليها المغرب.

ولسنوات طويلة، اعتاد المسافرون، مغاربة وأجانب، على المرور عبر نقاط أصبحت معروفة أكثر بروائحها النفاذة منها بجمال محيطها. فبمجرد اقتراب القطار من بعض المقاطع، تتغير ملامح الركاب، وتغلق النوافذ، وتخرج قوارير العطر والمناديل المعطرة في محاولة للتخفيف من أثر روائح تزكم الأنوف وتفسد لحظات الاستمتاع بالرحلة. ومن أبرز هذه النقاط، المقطع المحاذي لمدخل مدينة برشيد من الجهة الشمالية، حيث ظل مجرى المياه العادمة لسنوات مصدرا لانبعاث روائح قوية، حتى أصبح هذا المشهد جزءًا من ذاكرة آلاف المسافرين الذين يعبرون المدينة يوميا. وهي صورة لا تعكس ما تستحقه مدينة عرفت بنشاطها الفلاحي وموقعها الاستراتيجي، ولا تليق بجهود التنمية التي تعرفها مختلف ربوع المملكة.

وعند الاقتراب من مدينة مراكش، يتكرر المشهد بالقرب من قنطرة تانسيفت، حيث تؤدي المياه الراكدة، خصوصًا خلال فترات معينة، إلى انبعاث روائح تتسلل إلى عربات القطار، فيستقبل زوار المدينة الحمراء بانطباع بيئي لا ينسجم مع مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية العالمية. أما في الاتجاه نحو شمال المملكة، فإن مدخل مدينة سيدي سليمان يشكل بدوره إحدى النقاط التي يلاحظ فيها المسافرون انبعاث روائح يربطها عدد من السكان بالنشاط الصناعي المرتبط بمعالجة قصب السكر. كما يظل الوضع نفسه حاضرا، بدرجات متفاوتة، في محيط مدينة سيدي بنور، حيث يشكو مستعملو الطريق الوطنية الرابطة بين الجديدة ومراكش من الظاهرة ذاتها.

ولا يتعلق الأمر هنا بتوجيه أصابع الاتهام إلى مدينة أو مؤسسة أو قطاع بعينه، بقدر ما يتعلق بإثارة قضية بيئية تستحق المعالجة في إطار رؤية تنموية متكاملة. فالبيئة النظيفة ليست ترفًا، وإنما حق للمواطن، وعنصر أساسي في جودة الحياة، ومؤشر على مستوى تدبير الفضاءات العامة والخدمات المرتبطة بها. لقد جعل المغرب من التنمية المستدامة وحماية البيئة خيارًا استراتيجيًا، وحقق خلال السنوات الأخيرة إنجازات مهمة في مجالات البنيات التحتية والنقل والطاقات المتجددة. ومن الطبيعي أن تمتد هذه الدينامية إلى معالجة البؤر البيئية التي ما تزال تؤثر على صورة بعض المدن، حتى تنسجم جودة المشهد البيئي مع حجم الاستثمارات التي تعرفها المملكة. وتزداد أهمية هذا الورش مع اقتراب احتضان المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لنهائيات كأس العالم 2030، وهو موعد لن يكون مجرد تظاهرة رياضية، بل فرصة تاريخية لتقديم صورة المغرب الحديث، بمدنه النظيفة، ومرافقه المتطورة، وخدماته التي ترقى إلى تطلعات الزوار.

إن تحسين البيئة المحيطة بخطوط السكك الحديدية، ومعالجة مصادر الروائح الكريهة، وتأهيل المجاري المائية، وتطوير أساليب تدبير النفايات والمخلفات الصناعية، ليست تفاصيل ثانوية، بل هي استثمار في صورة الوطن، وفي راحة المواطنين، وفي جودة استقبال ملايين الزوار الذين سيحلون بالمغرب خلال السنوات المقبلة. لقد أثبتت التجارب أن المدن الجميلة ليست فقط تلك التي تمتلك المعالم التاريخية أو المشاريع الكبرى، وإنما أيضًا تلك التي تحترم بيئتها، وتحافظ على نظافة فضائها العام، وتجعل من جودة العيش عنوانًا دائمًا لها. إنّها مرافعة من أجل بيئة أنظف، ومن أجل قطارات تعبر بين مدن جميلة دون أن تعكر صفو الرحلة روائح كان بالإمكان معالجتها بالإرادة والتخطيط والتنسيق. فالمغرب الذي يطمح إلى ترسيخ مكانته بين الأمم، جدير بأن تكون تفاصيله اليومية، مهما بدت صغيرة، في مستوى طموحه الكبير.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *