من يحمي المال العام ومن يعرقل الحقيقة؟

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن-الدنمارك

تقوم الديمقراطية الحقيقية على مبدأ بسيط وواضح: لا أحد فوق المساءلة، ولا حصانة لأي مسؤول عندما يتعلق الأمر بالمال العام ومصالح المواطنين. ولذلك فإن أيّ رفض أو عرقلة لفتح تحقيق برلماني في ملفات تثير جدلا واسعا داخل الرأي العام لا يمكن أن ينظر إليه باعتباره مجرد خلاف سياسي عابر، بل يصبح قضية مرتبطة بثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة وفي مدى التزام ممثلي الأمة بواجب الرقابة والمحاسبة. لقد أثار الجدل الدائر حول ملف “الفراقشية” ردود فعل قوية داخل المجتمع المغربي، خصوصا بعد المواقف التي اعتبرها كثير من المتابعين عائقا أمام الوصول إلى الحقيقة وكشف ملابسات هذا الملف للرأي العام. فالمواطن البسيط، الذي يواجه يوميا ضغوط الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وتحديات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، لا يفهم لماذا يتم التردد في فتح ملفات يعتقد أنها تمس المال العام أو ترتبط بممارسات قد تكون أضرّت بمصالحه.

إن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في الأرقام المتداولة أو في طبيعة الاتهامات المطروحة، بل في الرسالة السياسية والأخلاقية التي تصل إلى المواطنين عندما يشعرون بأن بعض المنتخبين يفضلون إغلاق أبواب التحقيق بدل فتحها. فالمسؤول المنتخب لا يمنح الثقة الشعبية ليكون درعا يحول دون المساءلة، وإنما ليكون أول المدافعين عن الشفافية والنزاهة وحماية المال العام. ومن هذا المنطلق، فإن المعارضة المبدئية لأي آلية رقابية أو تحقيقية في القضايا التي تهم الرأي العام تطرح أسئلة مشروعة حول مفهوم المسؤولية السياسية وأولويات بعض الفاعلين داخل المؤسسات المنتخبة. فالديمقراطيات الراسخة لا تخشى التحقيق، بل تعتبره وسيلة لتبرئة الأبرياء ومحاسبة المتورطين إن ثبتت مسؤوليتهم. أما التوجس من الرقابة أو السعي إلى تعطيلها فإنه يفتح الباب أمام التأويلات ويغذي مشاعر الشك وفقدان الثقة.

لقد أصبح واضحا أن الفجوة بين المواطن وبعض النخب المنتخبة تتسع كلما تعاظم الإحساس بغياب المحاسبة. فالشعب المغربي لم ينتخب ممثليه لكي ينخرطوا في صراعات المصالح أو الحسابات الضيقة، بل اختارهم للدفاع عن مصالحه، وتحسين أوضاعه الاجتماعية، والمساهمة في بناء اقتصاد قوي يضمن الكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص. وإذا كان المغرب قد راكم خلال السنوات الماضية مكاسب مهمة على مستوى المؤسسات والإصلاحات الكبرى، فإن المحافظة على هذه المكتسبات تقتضي ترسيخ ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارها حجر الزاوية في أي مشروع تنموي جاد. فلا يمكن بناء الثقة دون شفافية، ولا يمكن تعزيز المشاركة السياسية دون شعور المواطنين بأن أصواتهم تؤدي فعلا إلى مراقبة من انتخبوهم ومحاسبتهم عند الضرورة.

إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في مواجهة مؤسسة أو المساس بثوابت الدولة، وإنما في مواجهة كلّ الممارسات التي تسيء إلى صورة العمل السياسي وتضعف ثقة المواطنين في ممثليهم. فالدولة القوية هي بقوة مؤسساتها الرقابية، وبقدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وبحرصها على حماية المال العام من أي عبث أو استغلال. إن المغاربة يتطلعون إلى طبقة سياسية تجعل من الشفافية عنوانا لعملها، ومن المساءلة منهجا لا استثناء، ومن خدمة الصالح العام أولوية فوق كل اعتبار. أما الاستمرار في إعطاء الانطباع بأن بعض المنتخبين يقفون في وجه التحقيقات والرقابة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، وإلى تغذية مشاعر الإحباط وفقدان الثقة.

ويبقى الطريق الأسلم هو الاحتكام إلى المؤسسات والقانون وآليات الرقابة الدستورية، وتمكين الحقيقة من الظهور كاملة دون تضييق أو تعطيل. فالحقيقة وحدها هي التي تحمي الأبرياء، وتكشف المتورطين، وتصون هيبة المؤسسات، وتحفظ للمواطن ثقته في مستقبل بلاده. إن الوطن لا يضره التحقيق، بل يضره الإفلات من المساءلة. ولا تضعف الدولة حين تفتح ملفّات الفساد، بل تزداد قوة ومصداقية عندما تثبت أن القانون فوق الجميع، وأن خدمة المواطنين أمانة لا مجال فيها للمحاباة أو التستّر أو تعطيل المحاسبة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *