تسعير الحلم الأميركي: تأشيرة بمائة ألف دولار

بقلم زكية لعروسي باريس

في القديم كانت الإمبراطوريات تبني الأسوار. أما في القرن الحادي والعشرين، فإنها تبني الرسوم. لم تعد الحدود مجرد خطوط على الخرائط، بل أصبحت خوارزميات، وقوانين، وتأشيرات، ورسوم مالية قادرة على فرز البشر قبل أن تطأ أقدامهم المطارات. ومن هنا لا تبدو محاولة فرض رسوم تبلغ مئة ألف دولار على بعض تأشيرات العمل المتخصصة في الولايات المتحدة مجرد إجراء إداري عابر. إنها حدث يكشف معركة أعمق بكثير: من يملك الحق في دخول مركز النظام العالمي؟ ففي الظاهر، يتعلق الأمر بالهجرة. لكن في العمق، يتعلق الأمر بالقوة. لفهم هذه القضية، يجب أولا فهم شخصية ترامب السياسية.

ترامب لا يتعامل مع الهجرة بوصفها ملفّا تقنيا. إنه يتعامل معها بوصفها قضية سيادية وجودية. في رؤيته للعالم، الدّولة ليست فندقا مفتوح الأبواب. الدّولة حصن. والحصن لا يترك أبوابه مفتوحة للجميع. لهذا أصبحت الهجرة إحدى الرّكائز المركزية في خطابه السياسي منذ صعوده الأوّل. الجدار مع المكسيك. التشدد في اللجوء. القيود على بعض التأشيرات. سياسات الترحيل. كلها أجزاء من رؤية واحدة: إعادة تعريف من يحقّ له دخول الولايات المتحدة. السّؤال الحقيقي ليس حول الرّقم. بل حول الفلسفة الكامنة خلف الرّقم. لماذا مائة ألف دولار؟ لأنّ الرّسوم بهذا الحجم لا تعمل كإجراء إداري. إنّها تعمل كحاجز انتقائي. كأن الدّولة تقول: لسنا نمنعك من الدّخول. لكن عليك أن تثبت أنّ وجودك يستحق هذا الثمن. وهنا يتحوّل مفهوم الهجرة من حقّ تنظّمه القوانين إلى سلعة تخضع لمنطق السّوق. فيصبح السّؤال: هل الحلم الأميركي لا يزال حلما؟ أم أصبح منتجا فاخرا؟

المفارقة الكبرى أن التأشيرات المستهدفة غالبا ما تخصّ أصحاب المهارات العالية: مهندسو البرمجيات. خبراء الذكاء الاصطناعي. الباحثون. المطوّرون. المتخصّصون في التّكنولوجيا. أي الفئات التي تتنافس عليها دول العالم اليوم. وهنا يظهر التّناقض الاستراتيجي. فبينما تدخل الولايات المتحدة سباقا عالميا على العقول، تظهر سيّاسات قد تجعل بعض تلك العقول تفكّر مرّتين قبل التوجّه إليها. في عالم الاقتصاد المعرفي، النّفط الجديد ليس النّفط. إنّه الإنسان المؤهّل. أنصار هذه السياسات يطرحون سؤالا مباشرا: لماذا تستورد الشركات موظّفين أجانب إذا كان هناك أميركيون يبحثون عن عمل؟ لكنّ المعارضين يردّون بسؤال آخر: ماذا لو كانت هذه الكفاءات الأجنبية هي نفسها التي تخلق وظائف جديدة للأميركيين؟ هنا تتصادم رؤيتان اقتصاديتان:

الرؤية الحمائية

تعتبر أن تقليل العمالة الأجنبية يحمي الأجور والوظائف المحلية.

الرؤية الليبرالية

ترى أن جذب أفضل العقول يزيد الابتكار والاستثمار والنمو.

والحقيقة أنّ الجدل بين المدرستين أقدم من ترامب نفسه. إنّه نقاش يمتدّ إلى قرون حول العلاقة بين الانفتاح والحماية. لو وقفت حنّا آرندت أمام مكتب الهجرة الحديث، ربّما كانت ستطرح سؤالا مزعجا: هل أصبح الانتماء الجغرافي أهم من الكفاءة الإنسانية؟ أمّا ميشال فوكو فقد يرى في أنظمة التأشيرات مثالا على كيفيّة ممارسة السّلطة الحديثة. فالقوة اليوم لا تعمل فقط عبر الشرطة والجيوش. بل عبر التّصنيفات. الملفّات. الأختام. والقدرة على تحديد من يعبر ومن يبقى خلف البوابة. هناك فرق تاريخي مثير. الولايات المتحدة نفسها بنيت إلى حد كبير على الهجرة. علماؤها. رواد أعمالها. مخترعوها. جاء عدد كبير منهم من خارج حدودها. بل إن جزءا من تفوقها العالمي نشأ من قدرتها الاستثنائية على جذب المواهب من كلّ أنحاء الأرض. وهنا يبرز السؤال الجيوسياسي الحاسم: هل تستطيع قوة عظمى الاستمرار في قيادة العالم إذا أصبحت أقلّ قدرة على جذب العالم إليها؟

قد تستمر الإدارة الأميركية في البحث عن أدوات جديدة لتقييد بعض مسارات الهجرة القانونية. وفي هذه الحالة ستزداد المواجهات القضائية والسياسية. قد تفرض المؤسسات القضائية حدودا قانونية على بعض الإجراءات التنفيذية المتعلّقة بالهجرة. وهو ما يعكس قوة التّوازنات داخل النظام الأميركي. إذا أصبحت الولايات المتّحدة أقلّ جاذبيّة، فقد تستفيد دوّل أخرى من الفرصة. مثل كندا أو أستراليا أو بعض دول أوروبا وآسيا التي تتنافس بالفعل على استقطاب الكفاءات العالمية. قد يتجه العالم نحو أنظمة أكثر انتقائية، تفضل أصحاب المهارات العالية جدّا وتقلّص فرص الفئات الأخرى. وهو اتجاه بدأت تظهر ملامحه في عدة دول متقدمة. السؤال الذي يخلخل النقاش كله ربما لا يتعلق الأمر بترامب وحده. ولا بتأشيرة واحدة. ولا حتى بالهجرة الأميركية فقط. السؤال الأعمق هو: في عصر تتنافس فيه الدّول على العقول أكثر من الأراضي، هل تصبح الحدود أكثر انفتاحا أم أكثر صرامة؟ وهل يمكن للدول أن تحافظ على تفوقها عبر إغلاق الأبواب؟ أم أن القوة في القرن الحادي والعشرين تقوم تحديدا على القدرة على جذب الغرباء وتحويلهم إلى شركاء في المشروع الوطني؟

إنّ قرار فرض رسوم هائلة على بعض التأشيرات لم يكن مجرّد تعديل إداري. لقد كان إعلانا فلسفيا عن رؤية معيّنة للعالم. رؤية ترى الدولة حصنا يجب حمايته. في حين ترى رؤية أخرى أنّ الدّولة القوية هي التي تستطيع استقطاب أفضل ما في العالم. وبين هاتين الرؤيتين يقف القرن الحادي والعشرون حائرا. ففي زمن الذكاء الاصطناعي والحروب الاقتصادية والمنافسة على المواهب، لم يعد السؤال: من يدخل الحدود؟ بل أصبح: من يملك المستقبل؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *