بقلم زكية لعروسي مديرة جريدة الورقاء
ذات يوم، كان الإنسان يكتب التقويم…واليوم، يبدو أن الطبيعة تمزقه أمام أعيننا. لم يعد السؤال: متى يبدأ الصيف؟ بل: هل ما نعيشه ما يزال صيفاً؟ وهل نحن أمام فصل من فصول السنة، أم أمام عصر جيولوجي جديد يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والأرض؟ لم يعد الأمر يتعلق بإلغاء مهرجان موسيقي هنا، أو تأجيل تظاهرة ثقافية هناك. إن إلغاء مهرجان “سوليدايز” في فرنسا بسبب موجة حر غير مسبوقة، والخسائر الاقتصادية التي خلفها، ليسا سوى السطر الأول في رواية أطول بكثير. رواية عنوانها: حين تبدأ الطبيعة في إعادة كتابة العقد الذي أبرمته مع الحضارة. لقد اعتدنا، منذ آلاف السنين، أن نتعامل مع الفصول كما لو كانت قوانين كونية لا تقبل النقاش. الربيع يزهر، والصيف يحتفل، والخريف يحصد، والشتاء يستريح. لكن يبدو أن الأرض، التي صبرت طويلاً على الإنسان، قررت أخيراً أن تقول: لن ألعب اللعبة نفسها بعد اليوم. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي. هل تغير المناخ… أم تغير الإنسان إلى درجة جعل المناخ يتمرد عليه؟
كل حضارة بنت اقتصادها على فكرة الزمن المستقر. الفلاح يزرع لأنه يعرف موعد المطر. التاجر يستثمر لأنه يعرف مواسم الاستهلاك. شركات الطيران تبرمج رحلاتها. الفنادق تفتح أبوابها. المهرجانات تحدّد تواريخها قبل عام أو عامين. والدّول تبني موازناتها على هذا الإيقاع الدقيق. لكن ماذا يحدث عندما تصبح الشمس نفسها عنصرا غير قابل للتنبؤ؟ عندما تتحول الحرارة إلى متغير اقتصادي؟ وعندما يصبح الطقس قادرا على إلغاء ملايين اليوروهات في ساعات قليلة؟ إنّ خسارة ملايين اليوروهات بسبب إلغاء مهرجان ليست مجرد خسارة ثقافية. إنّها زلزال اقتصادي صامت.
وراء كل مهرجان سلسلة طويلة من البشر: فنانون، وتقنيون، وعمال، وفنادق، ومطاعم، وشركات نقل، ومزارعون، وصناع غذاء، وآلاف الوظائف الموسمية التي تعيش على نبض الصيف. كان الناس يعتقدون أن الاقتصاد تصنعه البنوك. لكن يبدو أن الاقتصاد يبدأ من الغيمة… ومن درجة حرارة الهواء. لقد انتقل المناخ من هامش الاقتصاد إلى مركزه. بل ربما أصبح البنك المركزي الجديد للكوكب. يرفع أسعار الغذاء. ويخفض الإنتاج. ويعيد رسم خرائط السياحة. ويحدد أين يقضي الناس عطلاتهم. بل وحتى متى يرقصون. من كان يتخيل أن تصل البشرية إلى لحظة يصبح فيها السؤال: هل يبقى الصيف موسما للمهرجانات؟
هذا السّؤال، في حقيقته، أكبر بكثير من الموسيقى. إنه سؤال عن مستقبل الزمن نفسه. فالإنسان لم يبن حضارته على المكان فقط، بل بناها على انتظام الوقت. كل شيء يقوم على التوقع. لكن ماذا يبقى من الحضارة إذا أصبح المستقبل غير قابل للتوقع؟ هنا تتقاطع الفلسفة مع الاقتصاد. فالاقتصاد ليس علما للأموال فقط، بل هو علم الثقة بالمستقبل. وكلما فقد الإنسان القدرة على توقع الغد، دخل الاقتصاد في منطقة القلق. ولذلك، فإن التغير المناخي ليس أزمة بيئية فحسب. إنّه أزمة يقين. لقد كنا نعتقد أن الإنسان هو الذي غزا الطبيعة. لكن ربما كانت الطبيعة تنتظر بصبر، لتذكره بأنها ليست مادة خاما في مصنعه الكبير، بل كائن حي يملك ذاكرة أطول من الإمبراطوريات، وصبرا أطول من الأسواق المالية.

تخبرنا الأساطير اليونانية أن الآلهة كانت تعاقب الإنسان كلّما بالغ في غروره. أمّا اليوم، فلا حاجة إلى الآلهة. يكفي أن ترتفع درجات الحرارة بضع درجات، حتى تتوقف المهرجانات، وتجف الأنهار، وتحترق الغابات، وتختنق المدن، وتهتز أسواق التأمين والطاقة والزراعة. أي مفارقة هذه؟ لقد تعلم الإنسان كيف يرسل مركبة إلى المريخ، لكنه ما زال عاجزا عن أن يجعل مدنه تتعايش مع صيف أكثر حرارة. فهل المشكلة في المناخ؟ أم في نموذج حضاري بني على وهم أنّ الطبيعة ستبقى صامتة إلى الأبد؟
إن الذين يناقشون اليوم نقل المهرجانات من الصيف إلى الربيع أو الخريف، لا يغيرون موعد حفلة موسيقية فقط. إنهم يغيرون إيقاع الحضارة. يغيرون مفهوم العطلة. ويعيدون تعريف السياحة. ويعيدون توزيع الاستثمارات. وربما، دون أن يشعروا، يعيدون كتابة التقويم نفسه. منذ الثورة الصناعية، كان الإنسان يعتقد أنه أصبح سيد الزمن. حدّد ساعات العمل. واخترع التوقيت الصّيفي. ونظّم الإجازات. وأخضع اللّيل للضوء. لكن المناخ يرد عليه اليوم بجملة قاسية: أنتم نظمتم ساعاتكم… ولم تنظموا علاقتكم بالأرض. وهنا تكمن المأساة. لسنا أمام أزمة طقس. بل أمام أزمة فلسفة. لقد تعاملنا مع الطبيعة بوصفها مخزنا لا ينضب، لا شريكا في الوجود. وأقمنا اقتصادا يقيس النجاح بالنمو، أكثر مما يقيسه بالانسجام. حتّى جاء اليوم الذي بدأت فيه الأرض ترسل فواتيرها. حرائق. وجفاف. وفيضانات. وموجات حر. وإلغاء مهرجانات. وتكاليف تأمين تتضاعف. ومدن تعيد تصميم ساحاتها وحدائقها، لا لأنّها تريد مزيدا من الجمال، بل لأنّها تبحث عن الظل.
فأيّ عصر هذا؟ هل ما نعيشه مجرد تغير مناخي؟ أم أنّنا دخلنا زمنا جديدا، لم يعد الإنسان فيه المخرج الوحيد لمسرحية التاريخ؟ ربما سيكتب مؤرخو المستقبل أنّ القرن الحادي والعشرين لم يبدأ بالثورة الرقمية، ولا بالذكاء الاصطناعي، بل بدأ في اللحظة التي أدرك فيها الإنسان أن الطبيعة لم تعد خلفية صامتة لحضارته، بل أصبحت الشخصية الرئيسية فيها. وحينها فقط سنفهم أن السؤال لم يكن يوما: هل سيبقى الصيف موسم المهرجانات؟ بل كان السّؤال منذ البداية: هل سيبقى الإنسان قادرا على العيش وفق الفصول التي صنع حضارته على إيقاعها… أم أن الأرض بدأت تكتب تقويما جديدا، لا يستشير أحدا؟
📲 Partager sur WhatsApp