المدن التي تأكل أنوف سكانها

بقلم زكية لعروسي, باريس

لم تكن الرائحة ترى قديما. كانت تمشي على أطراف الهواء مثل ناسك يرتدي عباءة من الياسمين، وتدخل البيوت دون أن تطرق الأبواب، تاركة خلفها أثرا من الخبز الساخن أو المطر أو التراب الذي غسلته السماء. كان للروائح حياء الكائنات الأولى؛ تمرّ، تبارك المكان، ثم تنسحب كما تنسحب الملائكة بعد أن تؤدي مهمتها. لكن شيئا ما انكسر في قلب العالم. استيقظت الروائح ذات صباح وهي ترتدي دروعا من الزيت المغلي، وأسنانا من الملح، وأجنحة من الدهون المحترقة. لم تعد تزور المدن، بل صارت تغزوها. لم تعد تعانق الأنوف، بل تقتحمها كما تقتحم الجيوش المدن النائمة.

الرائحة لم تعد رائحة. لقد أصبحت مخلوقا له معدة أكبر من الأرض. وحين يفتح مطعم للوجبات السريعة أبوابه، لا يخرج منه الدخان وحده، بل ينطلق وحش شفاف، لا يرى أحد هيئته، لكنه يبتلع الشوارع شارعا شارعا. يلتف حول أعمدة الإنارة كأفعى زجاجية، ويتسلق الشرفات، ويختبئ في ستائر البيوت، ثم يضع بيضه داخل الذاكرة البشرية. ولهذا لا يستطيع الإنسان أن ينسى تلك الرائحة. إنها لا تسكن الأنف؛ إنها تبني عشّا داخل الدماغ.

العلم يقول إنّ الروائح تعيش قرب الذاكرة، أما الشعر فيقول إنها الذاكرة نفسها وقد تحولت إلى بخار. ولذلك لا تأكل الوجبات السريعة المعدة فقط. إنها تأكل الزمن. تأكل الطفل الذي كان يركض نحو أول قطعة بطاطس، وتأكل الرجل الذي ظنّ أنّه اشترى عشاء سريعا بينما كان يشتري جزءا من طفولته معادَ التعبئة في صندوق ورقي. كلّ لقمة ليست لقمة. إنها استدعاء لساحر قديم يعرف أسماء الجوع جميعها. الشركات العملاقة تعرف ذلك. إنها لا تقلي الدجاج فقط. إنّها تقلي الحنين.

تضع الذّكريات في المقلاة، ثم ترش فوقها مسحوقا كيميائيا يجعل القلب يظن أنّه عاد إلى زمن أكثر دفئا، بينما هو في الحقيقة يدخل متاهة جديدة من الرغبة. الرائحة ليست أثر الطبخ. إنّها تعويذة. ولهذا فإن المدينة الحديثة تشبه ساحرة عملاقة، لا تضع الطلاسم على الجدران، بل في الهواء نفسه. تمشي في الشارع، فتجد الهواء قد ارتدى زيّ بائع، والريح تحمل شعارا تجاريا، والغيم يقطر زيتا، والشمس نفسها تبدو وكأنّها خرجت من مقلاة لا من مجرة.

أي لعنة هذه؟ لقد كانت المدن قديما تحفظ أسماءها بالأنهار والحدائق. أما اليوم فهي تعرَف بروائح سلاسل المطاعم. كأن الحضارة فقدت حاسة الشّم، واستعارت أنفا من آلة. ولذلك أصبح الصراع على الروائح أكثر من خلاف بين مطعم وسكان. إنّه حرب بين كائنين غير مرئيين. الأوّل يريد أن يتنفّس. والثّاني يريد أن يبيع له التنفّس. كلّ رائحة قوية هي علم مرفوع فوق أرض محتلة. وكل بخار يتصاعد من المقلاة يعلن، بصمت، أن جزءا آخر من الهواء خرج من الملكية العامة ودخل في دفتر أرباح شركة.

حتى الأنف لم يعد عضوا حرا. لقد أصبح منفذا حدوديا تعبر منه البضائع إلى الروح. ويا للمفارقة…فالإنسان يظن أنه هو الذي يشم الطعام. لكن الحقيقة أكثر غرابة. الطعام هو الذي يشم الإنسان. يفحص ضعفه، ويقيس وحدته، ويعرف كم بقي في قلبه من مقاومة، ثم يرسل إليه جنوده غير المرئيين؛ جزيئات صغيرة لا يزيد حجمها على ذرة، لكنها تحمل قوة أسطورة كاملة. إنها لا تقول له: “كُل.” بل تهمس له: “تذكّر…” وحين يتذكر، يظنّ أنه اختار بإرادته. ولا يدري أنّ الإرادة نفسها كانت منذ البداية أسيرة رائحة. هكذا تتحول المدن شيئا فشيئا إلى بطون هائلة، والشوارع إلى أمعاء إسفلتية، والمداخن إلى أشجار سوداء تثمر دخانا بدل الثمار. أما البشر، فيسيرون داخل هذه المعدة الكونية وهم يعتقدون أنهم مواطنون، بينما هم في الحقيقة جزيئات صغيرة داخل عملية هضم لا تنتهي. ولعل أكثر ما يثير الرعب أن الوحش لا يحتاج إلى أن يلتهم أحدا. يكفي أن يجعل الجميع يشتهون أن يلتهموا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *