بقلم زكية لعروسي, باريس
في زمن صار فيه العالم يقايض المعنى بالسرعة، تخرج الرباط من قلب الأطلسي كأنها مدينة خلقت من حبر سماوي، لتعيد إلى البشرية ذاكرتها الأولى: الشعر. ليس بوصفه احتفالا بالكلمات، بل باعتباره اللغة التي اخترعتها الأرواح حين عجزت السياسة عن قول الحقيقة كاملة، وحين فشلت الحروب في إخماد حاجة الإنسان إلى أخيه الإنسان. هكذا تبدو مبادرة «القاريات الكبرى للشعر»؛ حدثا يكاد ينتمي إلى الأساطير المؤسسة للحضارات. كأن المغرب، وهو يفتح أبواب الرباط لعشرات الأصوات القادمة من الجهات الست، لا يدعو شعراء العالم فقط، بل يستدعي أيضا أرواح هوميروس والمتنبي وأبي تمام ورامبو وطاغور ونيرودا ولوركا… ليستأنفوا، من جديد، حوار البشرية المؤجل.
في الثاني عشر والثالث عشر من نونبر 2026، لن تكون الرباط مجرد عاصمة عالمية للكتاب، بل ستغدو أقرب إلى معبد كوني للكلمة. مدينة تتحول فيها القصيدة إلى سفينة تعبر اللغات، وإلى نار مقدسة تجمع البشر حول معنى واحد: أن الإنسان لا يقاس بما يملكه، بل بما يستطيع أن يشعر به. ولعل عظمة هذه المبادرة تكمن في أنها تخرج الشعر من النمطية المغلقة التي طالما حاصرته داخل قاعات باردة وخطابات متشابهة، لتعيده إلى مجاله الأصلي: الدهشة. فالقصيدة هنا لن تكون خطابا نخبويا معزولا، بل جسرا بين القارات، وموسيقى تتعالى فوق الحدود والأعراق والخرائط السياسية. إنها محاولة نادرة لإعادة الاعتبار إلى الخيال، في عصر صار فيه الخيال نفسه مهددا بالانقراض.

وليس غريبا أن تنبع هذه الرؤية من المغرب. هذا البلد الذي عرف، منذ قرون، كيف يحول الجغرافيا إلى قدر للحوار.
من طنجة التي عبرها الرحالة والحالمون، إلى فاس التي جاورت فيها الفلسفة التصوف والشعر والعلوم، وصولا إلى الرباط التي تبدو اليوم وكأنها تستعيد دور المدن الإمبراطورية الكبرى القادرة على إنتاج المعنى. لقد فهم المغرب، تحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، أن الثقافة شكل راق من السيادة الحضارية. ولهذا لم يكن غريبا أن يتحول إلى أرض للدبلوماسية الثقافية، وإلى فضاء يربط إفريقيا بالعالم العربي، ويصل المتوسط بعمقه الإنساني والروحي.
ومن قلب هذه الرؤية، يبرز اسم الشاعر قيس بنيحي بوصفه واحدا من أولئك الذين لا يكتبون الشعر فقط، بل يعيشونه باعتباره قدرا جماليا وأخلاقيا. في مبادرته هذه، يبدو وكأنه يستعيد المعنى القديم للشاعر كما فهمه الإغريق: الكائن الذي يحمل النار من السماء إلى البشر. فقد كان الشعر عند اليونانيين لغة الآلهة حين تخاطب الإنسان، ولذلك كانوا يعتقدون أن الشاعر يرى ما لا يراه الآخرون. أما في تراثنا العربي، فقد كان الشاعر “لسان القبيلة” وحارس الذاكرة الجماعية، لكنه كان أيضا صانع المجد الرمزي للأمم. ولعل أجمل ما قيل في الشعر ما لمح إليه أبو الطيب المتنبي حين جعل القصيدة أعلى من الزمن نفسه، وما أشار إليه الجاحظ حين اعتبر البيان أعظم ما مُنح للإنسان بعد العقل.
وقيس بنيحي ينتمي، بعمق، إلى هذه السلالة الروحية للكلمة. ليس فقط لأنه شاعرٌ امتص رحيق الجمال اللغوي، بل لأنه ابنُ بيت آمن بالكلمة حتى العشق، وتشرب منذ الطفولة ذلك الإيمان المغربي القديم بأن اللغة ليست وسيلة للتعبير فحسب، بل طريقة للوجود. إنه من أولئك الذين يحملون المغرب داخل أصواتهم؛ المغرب الذي لا يُتزل في الجغرافيا، بل في حساسيته الحضارية الفريدة، وفي قدرته الدائمة على تحويل التنوع إلى جمال. وإلى جانب مصطفى كبير عمي، الذي يجيء من تخوم الرواية والإنسان العميق، تتشكل ثنائية نادرة: شاعر وروائي يقرران أن يمنحا العالم موعدا جديدا مع الحلم. كأنهما يرفضان أن يبقى الأدب مجرد نشاط ثقافي موسمي، ويريدان له أن يعود إلى وظيفته الأولى: إنقاذ الروح البشرية من التصحر.

إن «القاريات الكبرى للشعر» ليست تظاهرة عابرة، بل إعلان رمزي عن عودة الشعر إلى مركز العالم. عودة الكلمة التي توحد ولا تفرق. الكلمة التي تبني الجسور حيث تبني السياسة الجدران. الكلمة التي تجعل إفريقيا تحاور آسيا، ويصغي المتوسط إلى أمريكا اللاتينية، وتتعانق اللغات كما لو أنها أنهار تصب كلها في بحر إنساني واحد.
وسيذكر التاريخ، ربما، أن الرباط في 2026 لم تستضف شعراء العالم فقط، بل أعادت تعريف معنى أن تكون القصيدة حدثا كوكبيا. وسيقال إن المغرب، مرة أخرى، اختار أن يقود المستقبل لا بالسلاح ولا بالاقتصاد وحدهما، بل بالجمال. وحين ستضاء منصات القراءة في ليالي الرباط، وتتعالى القصائد بلغات الأرض المختلفة، سيبدو المشهد أقرب إلى أسطورة قديمة: الإنسانية كلها تجلس حول نار واحدة… وتنصت إلى قلبها.
📲 Partager sur WhatsApp
تماما الرباط تستعيد ماضيها وتتغنى بحاضرها و تستشرف مستقبلها.