المخا… حين شرب العالم فنجانا من التصوف اليمني

بقلم زكية لعروسي: من رصيف على البحر الأحمر إلى ذاكرة البشرية

ليس ثمّة حبة قهوة في العالم إلا وتحمل في قلبها ظلا من ظلال المخا. وليس ثمّة فنجان يرتفع بخاره في صباحات المدن الكبرى، من باريس إلى بوينس آيرس، إلا وفي أعماقه حكاية بحرية قديمة بدأت من ذلك الميناء اليمني الذي بدا، عبر القرون، وكأنه نقطة صغيرة على الخريطة، لكنه كان في الحقيقة نقطةً كونية في تاريخ الروح الإنسانية. في قاعة عدن بالسفارة اليمنية في باريس، لم يكن المعرض الذي حمل عنوان «المخا.. ميناء يمني انطلقت منه حبات القهوة إلى العالم»مجرد مناسبة ثقافية أو احتفالية دبلوماسية عابرة، بل بدا كأنه استدعاء لروح حضارة كاملة، وفتح لصندوق الزمن الذي احتفظ برائحة البن اليمني كما يحتفظ البحر بملح ذاكرته. بعد قص شريط الافتتاح، تحدث سفير الجمهورية اليمنية لدى فرنسا الدكتور رياض ياسين عبدالله عن اليمن بوصفه جسرا تاريخيا بين الشرق والغرب، وعن العلاقات التي نسجتها سفن البن اليمنية مع الموانئ الأوروبية منذ القرن الخامس عشر. غير أن الكلمات، على أهميتها، بدت وكأنها تمهّد فقط لدخول أعمق في سردية أكبر: سردية اليمن بوصفه أحد المساهمين الخفيين في تشكيل الوعي الحديث للعالم. المخا: ميناء أم استعارة كونية؟

سفير الجمهورية اليمنية لدى فرنسا الدكتور رياض ياسين عبدالله 

ثمة مدن تبنى بالحجارة، ومدن تبنى بالذهب، أما المخا فقد بنيت بحبة قهوة. في التاريخ الظاهر كان المخا ميناء.
أما في التاريخ الباطن فكان مختبرا سريا لعبور الأفكار. فكما خرج الورق من الصين ليغير مصير المعرفة، خرج البن من جبال اليمن ليغير إيقاع الوعي البشري نفسه. ولعل غرابة القهوة أنها ليست طعاما يشبع الجسد، ولا شرابا يطفئ العطش؛ إنها مادة تقع بين المادة والروح. لهذا أحبها الصوفيون. كان المتصوفة اليمنيون في القرن الخامس عشر يبحثون عن يقظة لا تنتمي إلى النوم ولا إلى الصحو الكامل. كانوا يريدون عينا ثالثة داخل القلب، ونافذة صغيرة في جدار التعب البشري. فوجدوا في القهوة رفيقة للسهر والذكر والتأمل. ولم يكن اكتشاف البن لديهم اكتشافا زراعيا فقط، بل كان اكتشافا وجوديا. القهوة عندهم لم تكن شرابا، بل حالة. ولهذا يمكن القول إن أول من شرب القهوة لم يكن تاجرا، بل متأملا.

لو أن الجاحظ حضر هذا المعرض الباريسي، لربما وصف القهوة بأنها «حيوان نباتيّ يسكن الحواس». ولربّما أفاض في عجائبه قائلا إن حبة البن تشبه الدراويش؛ تبدو ساكنة لكنها تدور في الداخل. لقد أدرك الصوفيون باكرا أن القهوة لا تمنح الطاقة فقط، بل تمنح نوعا من الحضور. ذلك الحضور الذي يجعل الليل أكثر اتساعا، والذاكرة أكثر شفافية، والكلمات أكثر قدرة على الإنصات إلى ذاتها. في مجالس الذكر باليمن كانت القهوة أشبه بموسيقى سائلة. لم تكن بديلا عن الروحانية، بل خادمة لها. ومن هنا نشأت واحدة من أكثر المفارقات إدهاشا في التاريخ: مشروب سيصبح لاحقا وقود الرأسمالية العالمية ورفيق البورصات والمصانع والجامعات، ولد أساسا في أحضان التصوف والزهد والخلوة. كأن العالم الحديث بأسره استعار يقظته من رهبان الروح اليمنيين دون أن ينتبه.

إذا تأملنا حبة القهوة اليمنية سنكتشف أنها تشبه كفّ الإنسان. في تجاعيدها الصغيرة تختبئ طرق القوافل. وفي انحناءاتها تقيم الجبال اليمنية. وفي لونها الداكن يستقر ظلّ القرون. إنها أرشيف عضوي للحضارة. فكلّ حبّة تحمل آثار المزارعين الذين صعدوا المدرجات الجبلية، وآثار البحارة الذين واجهوا العواصف، وآثار التجار الذين عبروا البحار، وآثار الشعراء الذين سهروا على ضوء القناديل. ولهذا فإن البن اليمني ليس منتجا زراعيا فحسب، بل وثيقة تاريخية حية. وربما لهذا السبب ظل المؤرخون العرب يذكرونه بوصفه ظاهرة ثقافية قبل أن يكون سلعة تجارية. لقد أدركوا أن اليمن لم يصدّر مادة خاماً، بل صدّر عادة إنسانية جديدة ستغيّر أنماط الاجتماع والتفكير في العالم.

في أروقة المعرض، وبين المنتجات المرتبطة بصناعة البنّ وصوره وتاريخه، كان الزائر يشعر بأنه يسير داخل رواية بحرية طويلة. كل زاوية تحكي جزءا من الرحلة. رحلة الحبة التي غادرت جبال اليمن لتصبح لغة عالمية. فمن المخا خرجت السفن محملة بالبنّ إلى موانئ البندقية ومرسيليا وأمستردام ولندن. ومن هناك بدأت المقاهي الأوروبية في الظهور. ثم تحولت المقاهي إلى منتديات للفلاسفة والأدباء والعلماء. وبذلك يمكن المجازفة بفكرة فلسفية جريئة: لو لم توجد المخا، ربما كان تاريخ الحداثة الأوروبية سيبدو مختلفا. فالقهوة لم تكن مجرد مشروب رافق التنوير؛ لقد كانت إحدى بيئاته الحيوية.

في عالم يزداد انشغالا بالصراعات والأرقام والسياسات العابرة، تبدو المبادرات الثقافية التي تقوم بها السفارة اليمنية في باريس أشبه بأعمال ترميم للذاكرة الإنسانية. فالاحتفاء بالمخا ليس احتفاء بالماضي فحسب، بل دفاع عن حق الشعوب في الاحتفاظ بسردياتها الأصلية. ومن هنا تكتسب الجهود الرامية إلى تثبيت هذا التراث في الذاكرة العالمية، وإدراجه ضمن المسارات الثقافية المعترف بها دوليا، أهمية استثنائية. إن ما يقوم به السفير الدكتور رياض ياسين عبدالله، ومعه النخب الثقافية اليمنية والشركاء المهتمون بالتراث من أمثال سفير الثقافة اليمني الدكتور محمد جميح ، يتجاوز حدود العمل الدبلوماسي التقليدي؛ فهو عمل ينتمي إلى ما يمكن تسميته «الدبلوماسية الحضارية»، حيث تتحول الثقافة إلى جسر بين الأمم، ويتحول التراث إلى لغة حوار عالمية. إنّ تسجيل عناصر التراث المرتبطة بالقهوة اليمنية وميناء المخا في قوائم الحماية الدولية ليس تكريما لليمن وحده، بل إنصاف لتاريخ إنساني شاركت فيه اليمن بصمت طويل.

اختتمت الأمسية ببوفيه من المأكولات اليمنية التقليدية في حديقة السفارة، وبين الحضور من السفراء وأبناء الجالية والضيوف الفرنسيين، بدا المشهد كلّه وكأنه استعارة مصغرة عن تاريخ اليمن نفسه. بلد طالما تحدّث عنه الآخرون أكثر مما تحدث عن نفسه. لكن القهوة تفعل ما تعجز عنه الخطب. فنجان واحد قادر على اختصار قرون. وحبة بنّ واحدة قادرة على رواية تاريخ شعب. لهذا لم يكن معرض «المخا.. ميناء يمني انطلقت منه حبات القهوة إلى العالم» مجرد احتفاء بمنتج زراعي شهير، بل كان احتفاء بفكرة أعمق: أن الحضارات العظيمة لا تُقاس فقط بما تبنيه من إمبراطوريات، بل بما تمنحه للإنسانية من عادات جميلة وأحلام صغيرة تستمر بعد زوال الممالك. وإذا كان لكل أمة عطر يختصر ذاكرتها، فإن اليمن اختار أن يترك للعالم رائحة القهوة. رائحة لا تزال، بعد خمسة قرون، تصعد من فنجان على طاولة في باريس، لتهمس بأن المخا لم تكن ميناءً فحسب، بل كانت بداية قصة لم تنته بعد.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *