الجزائر أمام منعطف الصحراء

بقلم الإعلامي حيمري البشيرة كوبنهاكن- الدنمارك

تشهد المنطقة العربية والإقليمية تحولات متسارعة فرضتها الأزمات والحروب التي اندلعت خلال السنوات الأخيرة، بدءا من التوترات في الشرق الأوسط وصولا إلى التحديات الأمنية المتزايدة في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. وفي خضم هذه المتغيرات، تبرز قضية الصحراء باعتبارها أحد أقدم النزاعات الإقليمية التي ما تزال تلقي بظلالها على مستقبل الاستقرار والتنمية في المنطقة المغاربية. لقد أظهرت التطورات الدولية أن العالم بات أكثر ميلا إلى دعم الحلول الواقعية والقابلة للتطبيق، والابتعاد عن النزاعات المفتوحة التي تستنزف الشعوب والموارد.

وفي هذا السياق، يواصل المغرب تعزيز حضوره الدبلوماسي والدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا سياسيا يهدف إلى إنهاء النزاع وفتح صفحة جديدة من التعاون الإقليمي. كما أن عددا من الدول المؤثرة بات ينظر إلى هذا المقترح باعتباره أرضية جدية للنقاش السياسي وإيجاد تسوية دائمة للنزاع. وفي المقابل، تجد الجزائر نفسها أمام تحديات متزايدة تفرض عليها إعادة قراءة المشهد الإقليمي والدولي بعين أكثر واقعية. فالتحولات الجيوسياسية الكبرى، والصراعات التي شهدتها مناطق مختلفة من العالم، أثبتت أن منطق المواجهة لم يعد قادرا على إنتاج حلول مستدامة، وأن استقرار الدول وأمن الشعوب يقتضيان تغليب الحوار على الصراع، والتعاون على التوتر.

إن مستقبل منطقة المغرب العربي يظل رهينا بقدرة دولها على تجاوز الخلافات التاريخية والانخراط في مشاريع التنمية والتكامل الاقتصادي. فالشعوب المغاربية تتطلع اليوم إلى فتح الحدود، وتعزيز المبادلات التجارية، وتوفير فرص الشغل للشباب، بدل الاستمرار في نزاعات استنزفت عقودا من الزمن دون أن تحقق تقدما حقيقيا نحو الحل النهائي. ومن هذا المنطلق، يرى العديد من المراقبين أن المرحلة المقبلة قد تفرض مقاربات جديدة أكثر براغماتية تجاه ملف الصحراء، خاصة في ظل تنامي الاهتمام الدولي باستقرار شمال إفريقيا والساحل، واعتبار الأمن والتنمية وجهين لعملة واحدة. كما أن أي تقدم نحو حل سياسي متوافق عليه من شأنه أن يساهم في تعزيز الأمن الإقليمي ومواجهة التحديات المشتركة التي تواجه دول المنطقة.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في إطالة أمد الخلاف، بل في امتلاك الشجاعة السياسية للانتقال من منطق الصراع إلى منطق التسوية. فالتاريخ أثبت أن النزاعات لا تحسم بالشعارات، وإنما بالإرادة السياسية والحوار المسؤول والبحث عن المصالح المشتركة. ويبقى الأمل قائما في أن تدرك جميع الأطراف أن استقرار المنطقة المغاربية ليس خيارا سياسيا فحسب، بل ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات العصر. فإما أن تنتصر لغة الحكمة والتعاون، وإما أن تستمر المنطقة في دفع ثمن الانقسام والتوتر، بينما تتسارع من حولها التحولات الدولية والإقليمية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *