بقلم زكية لعروسي, باريس
لم تكن استقالة كير ستأتمر مجرد سقوط رجل من شرفة السلطة، بل كانت أشبه بصوت ساعة عتيقة تدقّ في أعماق التاريخ البريطاني، معلنة أن أزمة المملكة المتحدة أعمق بكثير من حكومة تتعثر أو زعيم يفقد شعبيته. فحين خرج ستارمر من باب داونينغ ستريت، بدا المشهد كأنه فصل أخير من رواية لم تبدأ عام 2024، ولا عام 2016 مع البريكست، بل ربما بدأت يوم اعتقدت بريطانيا أنها تستطيع أن تغادر أوروبا جغرافيا وسياسيا بينما تبقى متصلة بها اقتصاديا وحضاريا وتاريخيا. في الظاهر، تبدو الأسباب واضحة: اقتصاد متعثر، تراجع شعبية، تمرد داخل حزب العمال، وصعود خصوم جدد يتقدمهم نيجال فراج، فيما يبرز أوندي بيرنهام وريثا محتملا للحكم. لكن السياسة الحقيقية لا تسكن الأخبار العاجلة؛ إنها تختبئ في الطبقات العميقة التي لا تراها الكاميرات.
لقد عاش البريطانيون طوال قرون على فكرة استثنائية فريدة: أنهم جزء من أوروبا لكنهم ليسوا أوروبيين تماما؛ قريبون من القارة لكنهم مختلفون عنها؛ داخل اللعبة وخارجها في الوقت نفسه. كانت الإمبراطورية تمنحهم هذه الرفاهية الفكرية. أما اليوم، وبعد انكماش النفوذ الإمبراطوري وصعود الكتل الاقتصادية العملاقة، فإن الجغرافيا تعود لتنتقم من الأوهام. كان البريكست في أحد وجوهه ثورة عاطفية ضد العولمة أكثر مما كان مشروعا اقتصاديا مدروسا. لقد صوّت ملايين البريطانيين ليس فقط ضد بروكسل، بل ضد شعورٍ دفين بأن بلادهم تفقد صورتها القديمة. كان التصويت محاولة لاستعادة زمن رمزي أكثر منه برنامجا للمستقبل.

لكن التاريخ لا يعيد الساعات إلى الوراء. لقد اكتشف البريطانيون بعد سنوات أن الخروج من الاتحاد الأوروبي يشبه مغادرة سفينة ضخمة وسط عاصفة محيطية: قد تستعيد استقلالية الحركة، لكنك تفقد أيضا جزءا من الحماية والاستقرار والحجم التفاوضي الذي كانت تمنحه السفينة الأم. ولذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل فشل ستارمر؟ السؤال هو: هل فشلت بريطانيا في إيجاد نموذج جديد بعد البريكست؟
إن الأرقام الاقتصادية وحدها لا تفسر كل شيء، لكن المزاج العام البريطاني يكشف عن تعبٍ عميق. فمنذ الاستفتاء الأوروبي تعاقب رؤساء الحكومات بسرعة مذهلة حتى باتت السلطة البريطانية تشبه قطارا يبدل سائقيه فيما تستمر العربة نفسها في السير وسط الضباب. واستقالة ستارمر تجعل البلاد على أعتاب رئيس وزراء سابع خلال عقد واحد تقريبا، في مشهد كان يبدو مستحيلا في النظام البريطاني الذي طالما تباهى بالاستقرار المؤسساتي. هنا تصبح الفلسفة أكثر أهمية من السياسة. لقد كتب هيغل أن التاريخ يتحرك عبر التناقضات. وبريطانيا اليوم تعيش تناقضا هائلا: فهي تريد السيادة الكاملة، لكنها تحتاج الأسواق الأوروبية. تريد استقلال القرار، لكنها تحتاج التعاون القاري. تريد أن تكون جزيرة مستقلة، لكنها تعيش في عالم لم تعد الجزر فيه مستقلة بالكامل.
لهذا يبدو الحديث عن عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي سؤالا مطروحا باستمرار، لكنه يُطرح غالباً بطريقة خاطئة. هل ستعود غدا؟ الأرجح لا. هل ستعود بالشكل القديم؟ربما لا أيضا. لكن هل ستجبر الوقائع الاقتصادية والسياسية على بناء علاقة أقرب فأقرب مع أوروبا حتى يصبح الفرق بين العضوية وعدمها أقل وضوحا؟ هنا تكمن الاحتمالية الكبرى. فالتاريخ الأوروبي يعلمنا أن الأمم نادرا ما تعود إلى النقطة نفسها؛ إنها تعود بأسماء جديدة وصيغ جديدة واتفاقات جديدة. ربما لن تعود بريطانيا إلى الاتحاد كما خرجت منه، لكنها قد تجد نفسها بعد سنوات داخل شبكة من الترتيبات الاقتصادية والتنظيمية والأمنية تجعلها أقرب إلى أوروبا مما أراد دعاة البريكست، وأبعد عن الانفصال الكامل مما حلم به أنصار السيادة المطلقة. إن صعود القوى الآسيوية، وتنامي نفوذ بريكس، والتحولات في النظام التجاري العالمي، كلها تدفع الدول المتوسطة والكبيرة إلى البحث عن كتل تحمي مصالحها. وفي عالم التكتلات العملاقة، تصبح العزلة الاستراتيجية أكثر كلفة من أي وقت مضى.
لكن المدهش أن الأزمة البريطانية ليست اقتصادية فقط. إنها أزمة هوية. من هي بريطانيا بعد الإمبراطورية؟ ومن هي بعد البريكست؟ ومن هي بعد تراجع النفوذ الأطلسي التقليدي؟ هذه الأسئلة هي التي أسقطت زعماء أكثر مما أسقطتهم استطلاعات الرأي. ولهذا قد ينظر بعد سنوات إلى استقالة ستارمر لا باعتبارها نهاية رجل، بل باعتبارها علامة على نهاية مرحلة كاملة من محاولة التوفيق بين وعدين متناقضين: وعد الاستقلال الكامل، ووعد الازدهار الكامل. والتاريخ، ذلك الروائي الأعظم، نادرا ما يمنح الشعوب امتياز الاحتفاظ بالوعدين معا.
📲 Partager sur WhatsApp