بقلم الإعلامي حيمري البشير كوبنهاغن – الدنمارك
في صيف يشتد فيه الحر، يظل الأمل المغربي أكثر اشتعالا. اليوم تتجه الأنظار إلى وهبي، ليس لأنه يقود منتخبا فحسب، بل لأنه يحمل حلم أمة بأكملها. الأمل الذي يسكنه راسخ، والإيمان بقدرته على مواصلة صناعة الانتصارات لا يقل رسوخا في قلوب المغاربة الذين باتت الكأس العالمية حلمًا جماعيا يراودهم. وهبي اسم على مسمى؛ موهبة صنعت الفارق، وأثبتت في الماضي أن المستحيل ليس سوى كلمة تنتظر من يتحداها. ففي الشيلي، كتب مع أشبال الأطلس صفحة ذهبية لم يكن أكثر المتفائلين يتوقعها، عندما عاد إلى المغرب بكأس العالم، ليؤكد أن الإرادة قادرة على هزم كل التوقعات.
واليوم، في المكسيك والولايات المتحدة، يعود الحلم من جديد. وهبي يدخل التحدي بعزيمة قائد يؤمن بجيل استثنائي، ويطمح إلى أن يكون عريس البطولة، وأن يكتب فصلا جديدا في تاريخ الكرة المغربية، ويهدي الوطن لقبا عالميا جديدا يعزز مكانة المغرب بين كبار الأمم الكروية. لقد بدأ العد التنازلي، وستتجه الأنظار هذه المرة نحو الملاعب التي تحتضن البطولة، بينما يستحضر المغاربة أمجاد السبعينيات، ويتذكّرون فرحة الأمس القريب في الشيلي، حين صنع أبناء المغرب لحظة تاريخية وحدت قلوب الملايين، وأخرجت الجماهير إلى الشوارع اعتزازا بالعلم المغربي، وفخرا بانتمائها لهذا الوطن.
اليوم، يحمل جيل جديد من مغاربة العالم المشعل، ويستعد لمواجهة كبار المنافسين، وفي مقدمتهم منتخب هولندا، بعزيمة لا تعرف المستحيل، وبخطة واضحة هدفها مواصلة الانتصارات والعودة بالكأس التي أصبحت حلم كل المغاربة، بل وحلما يلامس مشاعر كثير من العرب الذين يرون في نجاح المغرب نجاحا عربيا وإفريقيا أيضا. غير أن كرة القدم، على عظمتها، ليست سوى وجه واحد من وجوه النجاح. فالانتصارات الرياضية ينبغي أن تكون مصدر إلهام لصناعة أمجاد أخرى في مختلف الميادين. وإذا كان الشباب المغربي قادرا على اعتلاء منصات التتويج العالمية في الملاعب، فهو قادر كذلك على التألق في ميادين العلم، والابتكار، والاقتصاد، والثقافة، والفنون، والتكنولوجيا. فالمغربي، أينما وجد، أثبت أن الكفاءة لا تعترف بالحدود، وأن الإبداع جزء أصيل من هويته.

لكن، وبرغم ما تمنحه كرة القدم من لحظات الفرح، فإنها لا تستطيع أن تحجب تطلعات الشعب إلى إصلاحات أعمق. فالمغرب مقبل على محطة سياسية مهمة مع الانتخابات البرلمانية المقبلة، وهي فرصة ينتظر منها المواطنون أن تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الديمقراطية الحقيقية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الفساد، واسترجاع الأموال المنهوبة، وترسيخ دولة المؤسسات والعدالة. إنّ رفع راية المغرب عاليًا في المحافل الرياضية يبعث على الفخر، لكن الفرحة تكتمل حين ترتفع الراية نفسها في مؤشرات التنمية، والشفافية، والحكامة الجيدة، وجودة التعليم، وقوة الاقتصاد، وسيادة القانون. نريد أن ينتصر المغرب في الملاعب، لكنّنا نريده أن ينتصر أيضا في معركة التنمية، وفي بناء دولة المؤسسات، وفي تحقيق العدالة الاجتماعية، حتى يصبح في مصاف الدول الكبرى، لا بإنجازاته الكروية وحدها، بل بمنجزاته في كل المجالات. ويبقى الأمل قائمًا… أن يكون وهبي ورفاقه اليوم على موعد مع التاريخ، وأن يزرعوا الفرحة من جديد في قلوب الملايين، وأن يكون انتصارهم رسالة تؤكد أن هذا الوطن، الذي أنجب أبطالا في الرياضة، قادر أيضًا على أن يصنع أبطالا في كل ميادين البناء والتقدم.
📲 Partager sur WhatsApp
ليكون العبور الى الدور المقبل شرارة لزرع الأمل في أن كل شيء ممكن مع الأرادة والإصرار والمكابدة ، لتحريك عجلة التنمية المجالية بسرعة واحدة.