بقلم زكية لعروسي, باريس
هناك لحظات في التاريخ لا تكون فيها المأساة صاخبة، بل ترتدي بذلة رسمية، وتجلس خلف منصة القضاء، وتتكلم بلغة القانون، بينما تخفي في جيبها أسئلة لا يسمح لأحد بطرحها. عندها لا يعود السؤال: هل العدالة موجودة؟ بل يصبح السؤال الأكثر رعبا: من يملك حق تعريف العدالة؟
قصة الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز ليست مجرد قضية صحافي اعتقل، ولا مجرد ملف قضائي آخر في بلد يعيش توترا سياسيا دائما. إنها استعارة ضخمة عن زمن أصبح فيه البحث عن الحقيقة مغامرة أشبه بالدخول إلى متاهة الإغريق، حيث يعرف الداخل طريقه إلى الباب، لكنه لا يعرف إن كان الباب سيظل موجودا عندما يعود. كان الرجل يحمل دفترا وقلما، لا بندقية ولا جهاز تجسس ولا حقيبة مليئة بالأسرار العسكرية. ذهب يبحث في قضية قديمة تخص وفاة لاعب كرة القدم الكاميروني ألبرت إيبوسي، ذلك اللاعب الذي تحول موته، منذ أكثر من عقد، إلى واحد من أكثر الملفات غموضا في كرة القدم الإفريقية. الرواية الرسمية قالت إن حجرا طائشا أنهى حياته. لكن التاريخ يعلّمنا أنّ الروايات الرسمية كثيرا ما تشبه واجهات القصور؛ جميلة من الخارج، مليئة بالغرف المغلقة من الداخل. كل تحقيق صحافي يبدأ بسؤال بسيط، لكنه ينتهي غالبا عند أبواب السلطة. فالسؤال أخطر من الجواب، لأنه يولد أسئلة جديدة. ولهذا كانت السلطات عبر التاريخ تخشى الفيلسوف أكثر من الجندي، والكاتب أكثر من المدفع، والصحافي أكثر من الجاسوس.

سقراط لم يعدم لأنه حمل سيفا، بل لأنه طرح أسئلة. وغاليليو لم يحاكم لأنه كسر كنيسة، بل لأنه حرّك الأرض من مكانها. وسبينوزا طرد لأنّه جعل العقل أكبر من الطائفة. وألكسندر سولجينتسين لم ينفَ لأنه قاد انقلابا، بل لأنه كتب. وكأن البشرية منذ آلاف السنين تكرر الجملة نفسها بألف طريقة: السلطة تستطيع احتمال المعارضة، لكنها لا تحتمل الشك. في هذه القصة يبدو كل شيء كوميديا السوداء. صحافي رياضي يسافر للتحقيق في وفاة لاعب كرة قدم، فينتهي متهما بقضايا تتعلق بالإرهاب. وكأن الطريق بين الملعب والمحكمة أقصر من المسافة بين منطقتي الجزاء.
المفارقة أن كرة القدم نفسها ولدت لتكون مساحة للهروب من السياسة، لكنها تحولت في القرن الحادي والعشرين إلى أكبر مسرح سياسي في العالم. لم يعد المنتخب مجرد فريق، بل صار امتدادا للدولة. ولم تعد الهزيمة مجرد خسارة رياضية، بل تُقرأ أحيانا كجرح في هيبة السلطة. لذلك يصبح السؤال عن كرة القدم سؤالا عن النظام نفسه، ويصبح الصّحافي الذي يحقق في ملف رياضي شخصا يتحرك داخل حقل ألغام سياسي دون أن يدرك. قد يكون القضاء مقتنعا بحكمه، وقد تكون السلطات ترى أنها تطبق القانون كما تراه مناسبا، ومن دون الاطلاع على كامل ملف القضية لا يمكن الجزم بصحة كل الاتهامات أو نفيها بصورة قاطعة. لكن في المقابل، فإن حجم التضامن الدولي مع غليز، وانتقادات منظمات الدفاع عن حرية الصحافة، يكشفان أن القضية تجاوزت حدود ملف جنائي لتصبح اختباراً لصورة الدولة أمام العالم، ولسؤال أوسع يتعلق بحرية العمل الصحافي. وهنا تبدأ الفلسفة حيث تنتهي الأخبار. ما الذي يصبح ممنوعا عندما يصبح السؤال نفسه موضع شبهة؟ هل الممنوع هو الاتصال بأشخاص تصنفهم الدولة خطرا؟ أم الممنوع هو البحث فيما لا ترغب السلطة في إعادة فتحه؟ وأين ينتهي التحقيق الصحافي ويبدأ الاتهام؟

جون ستيوارت ميل كان يقول إنّ الحقيقة لا تخشى النقاش، لأن الحقيقة التي تخاف من السؤال ليست حقيقة، بل عقيدة تبحث عن حراس. أما حنّا آرندت فكانت ترى أن أخطر ما يصيب السياسة هو تحول الوقائع إلى مادة قابلة لإعادة الصياغة بحسب ميزان القوة. وعندما تصبح الوقائع ملكا للسلطة وحدها، يصبح المواطن مجرد متفرج داخل مسرح كبير، لا يعرف إن كان يشاهد التاريخ أم يشاهد إخراجه.
الحدث ليس استثناء في هذا المشهد. فمنذ قرون تتكرر العلاقة الملتبسة بين الدولة والذاكرة. سلطة تريد أن تبدأ التاريخ من الصفحة التي تناسبها. لكن التاريخ يشبه البحر؛ يمكن إقامة الحواجز أمام أمواجه، غير أنه لا يتوقف عن العودة. لهذا يبدو غريبا أن يتحول صحافي رياضي إلى رمز عالمي لحرية التعبير. وربما تكمن المفارقة في أن الرياضة، التي يفترض أنها أكثر المجالات براءة، أصبحت المرآة التي تعكس أكثر مناطق السياسة حساسية. فالصحافي لم يكتب عن صفقات سلاح، ولم يحقق في انقلاب، ولم يتسلل إلى قاعدة عسكرية، بل ذهب يبحث في قصة لاعب مات قبل سنوات، فإذا بالقصة تكشف أن الماضي لم يمت أصلا. ومن هنا تولد السخرية السوداء.

في الأزمنة القديمة كان الناس يهربون من السياسة إلى الملاعب. أما اليوم، فقد أصبح بعضهم يحتاج إلى حماية سياسية كي يدخل الملعب. ويا لها من مفارقة أن يصبح الحصول على اعتماد لتغطية كأس العالم رمزاً للحرية أكثر من كونه تصريحا مهنيا. كأن الكرة نفسها أخذت تستجوب العالم. إلى أين نحن ذاهبون؟ إلى زمن يصبح فيه الأرشيف أخطر من المتفجرات؟ أم إلى عصر يصبح فيه المؤرخ مشتبها فيه لأنه يفتح ملفات قديمة؟
الجواب ليس في الجزائر وحدها، ولا في فرنسا، ولا في قضية غليز وحدها. إنّه سؤال يخص العالم كلّه. ففي كل مكان تتوسع المنطقة الرمادية بين الأمن والحرية، وبين حماية الدولة وحق المجتمع في المعرفة. وكلّما اتسعت تلك المنطقة، تقلّصت المساحة التي يقف فيها الصحافي حرّا. وربما كان بورخيس محقّا عندما جعل المتاهة رمزا للعالم. فليست المشكلة أن المتاهة بلا مخرج، بل أن سكانها ينسون مع الوقت أن هناك خارجا أصلا. تبقى الحقيقة، مهما طال حصارها، أكثر عنادا من السجون، وأكثر صبرا من الأنظمة، وأكثر قدرة على العودة من كل محاولات النسيان. فالأفكار لا تصفَّد بالأغلال، والأسئلة لا تسجن داخل الزنازين، والذاكرة البشرية لا تعترف بالأقفال. ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه أي سلطة ليس الصحافي الذي يكتب، بل السؤال الذي يبقى حيّا بعد أن يصمت الجميع.
📲 Partager sur WhatsApp