بقلم زكية لعروسي, باريس
لم تكن الجموع التي احتشدت أمام أبواب متجر لِيدِلْ تنتظر مجرد جهاز يبرد غرفة. كانت تنتظر وعدا صغيرا بالخلاص من صيف يزداد شراسة، ومن حياة تتراكم فيها الفواتير أسرع من الأحلام. لم يكن المشهد اقتصاديا فحسب، بل كان مشهدا فلسفيا يذكرنا بكتاب تهافت التهافت؛ فها هو التهافت نفسه يتهافت على سلعة، ثم يتهافت الناس على تفسير هذا التهافت، ثم يتهافت الساسة على إدانته، وكأن الجميع يلهث وراء آخر قطرة من هواء بارد في عالم ترتفع حرارته المادية والرمزية معا.
في تلك الطوابير لم يكن الناس يشترون آلة، بل كانوا يشترون أملا مؤقتا، هدنة قصيرة مع القيظ، وربما أيضا انتصارا صغيرا على الغلاء. فمن اعتاد أن يحسب ثمن الخبز والحليب باليورو والسنتيم، لن يرى في التخفيض مجرد إعلان تجاري، بل سيراه فرصة لا تتكرر. الفقير لا يشتري الرخيص لأنه يحب الرخيص، بل لأنه لم يعد يملك ترف شراء الغالي. لكن السوق لا يعرف العواطف. إنه يعرف لغة واحدة: اجذب الانتباه، اصنع الندرة، واترك الباقي لغريزة الخوف من فوات الفرصة. فالسلعة التي قد تبقى أياما على الرف تتحول، بمجرد أن يقال إنها عرض استثنائي، إلى غنيمة تستحق التدافع. هنا لا يبيع التاجر الجهاز، بل يبيع الإحساس بأنك إن لم تشتره الآن فلن تناله أبدا. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل أخطأت ليدل؟ بل: هل أخطأنا جميعا؟
إذا كانت الشركة قد ضخمت قيمة التخفيض، كما يتهمها البعض، فهي تكون قد مارست إحدى أكثر حيل السوق قدما: صناعة الرغبة قبل صناعة الحاجة. أما إذا كان المستهلك قد اندفع بلا تحقق، فقد وقع في الفخ الذي ينصبه الاستهلاك الحديث كل يوم، حيث يتحول الإنسان من سيد لحاجاته إلى تابع لإعلاناتها. ولعل السخرية الكبرى أن جهاز تلطيف الهواء، المصمم لتهدئة حرارة الصيف، كشف حرارة أخرى أكثر استعصاء: حرارة الرغبة الجماعية، وقلق الطبقات الوسطى والفقيرة، والخوف المزمن من ضياع الفرصة. فما أشبه هذه الطوابير بطوابير التاريخ؛ يتغير الشيء المنتظر، من الخبز إلى الوقود إلى الهواتف ثم إلى المكيفات، لكن الوجوه المتعبة هي ذاتها، والأسئلة القديمة هي ذاتها.
لا ينبغي أن تكون المحكمة في مواجهة واحدة. فمن الظلم أن نحاكم شركة وحدها في اقتصاد يقوم على الإغراء، كما أنه من السذاجة أن نبرئ المستهلك من مسؤوليته في الاستسلام لمنطق الحشود. المتهم الحقيقي قد يكون ثقافة كاملة، جعلت قيمة الإنسان تقاس بقدرته على اقتناص التخفيض قبل جاره، وجعلت الإعلان أكثر إقناعا من العقل. لقد صار التخفيض دينا جديدا، وصارت اللافتة الحمراء أكثر تأثيرا من آلاف الخطب عن الاستهلاك الرشيد. وما دام الإنسان يخشى أن يكون آخر من يصل، فسيظل يركض، حتى وإن كان يركض وراء وهم.
ولذلك فإن القضية ليست قضية جهاز هواء، ولا حتى قضية متجر بعينه. إنها قضية زمن أصبح فيه السعر يحدد السلوك، والإعلان يعيد تشكيل الإرادة، والندرة المصطنعة تصنع الفوضى الحقيقية. من نحاكم إذن؟ لا نحاكم ليدل وحدها، ولا المستهلك وحده. نحاكم عصرا نجح في تحويل الحاجة إلى هلع، والرغبة إلى سباق، والتخفيض إلى حدث وجودي، حتى بدا أن أخطر موجات الحر ليست تلك التي تضرب المدن، بل تلك التي تضرب العقول.
📲 Partager sur WhatsApp