أبناء الجالية… لا تجعلوا التاريخ يخجل منكم

بقلم زكية لعروسي, رئيسة تحرير الورقاء-باريس

إنّ الله جعل الأوطان آيات تقرأ في الضمائر قبل الخرائط، وغرس في القلوب حبّ الأرض كما يغرس الفجر نوره في أطراف الليل، وجعل للكرامة نسبا لا ينقطع، وللشرف ميراثا لا يبلى، و علّم الإنسانية ما لم يعلمه…علّمه أنّ قوّة المرء ليست فيما تكسر يداه، بل فيما تعمّره أخلاقه…

يا أبناء المغرب…يا من تحملون في صدوركم نبض الأطلس، وفي أعينكم زرقة المتوسط، وفي أصواتكم رجع المؤذنين من القرويين، وعبق الأسواق العتيقة، وألوان الزليج التي نسجت من الطين جمالا، ومن الصبر حضارة، ومن الإيمان وطنا…يا أبناء المملكة الشريفة…غدا، ستلتقي رايتان في ميدان صغير، ولكن إياكم أن تظنوا أن الميدان أكبر من التاريخ، أو أن الكرة أكبر من الأمم، أو أن دقائق المباراة أطول عمرا من القرون. إن المباريات تنتهي… أما الأخلاق، فهي التي تبقى شاهدة يوم يسكت المعلقون، وتطفأ الأضواء، وتطوى الأعلام. سيكون قلبنا مع المغرب… وكيف لا يكون؟ إن القلب لا ينسى الرحم الذي خرج منه. ولا تنسى الشجرة التربة التي أنبتت جذورها. ولا ينسى النهر العين الأولى التي فجّرته.

المغرب ليس مجرد وطن. المغرب دعاء أمّ يرافق أبناءها حيث ارتحلوا. المغرب رائحة المطر فوق تراب عطشان. المغرب صهيل التاريخ وهو يعبر ألف سنة من المجد دون أن ينحني. المغرب ليس دولة ولدت على عجل، بل مملكة علّمت الزمن معنى الرسوخ، حتى صار التاريخ إذا أراد أن يتحدث عن الثبات، استعار من جبالها صلابتها، ومن ملوكها حكمتهم، ومن شعبها وفاءه. هذه أرض مرّت عليها العواصف، فكانت هي الجبل. ومرت عليها الفتن، فكانت هي الحكمة. ومرت عليها الأطماع، فكانت هي السيادة. وما زال عرشها قائما، لا لأن الذهب يلمع فوقه، بل لأن البيعة سكنت في القلوب، ولأن شرعيته نحتت في وجدان أمة عرفت معنى الوفاء.

ثم كانت فرنسا…وكانت صفحات أخرى من أعمارنا. فيها درس كثير من أبنائنا. وفيها عملوا. وفيها ربّوا أبناءهم. وفيها وجدوا أبوابا فتحت، وفرصا أتيحت، وأحلاما كبرت حتى صارت واقعا. ومن تمام المروءة أن يذكر الفضل بالفضل. فالنفوس الكبيرة لا تعرف الجحود. والأمم العريقة لا تنكر المعروف. ومن حمل أخلاق المغرب، لا يمكن أن يرد الإحسان بالإساءة.

يا أبناء المملكة… إياكم أن يسرق منكم الغضب ما بناه أجدادكم بالصبر. إياكم أن يجعل أحد منكم اسم المغرب عنوانا لفوضى، أو ذريعة لشغب، أو راية يختبئ خلفها أصحاب الأهواء. إن المغرب أعلى من أن يختزل في نافذة مكسورة. وأرفع من أن يرى في دخان إطار مشتعل. وأجلّ من أن يذكر مقرونا بالفوضى. المغرب يذكر حيث يذكر العلم. وحيث تذكر الحضارة. وحيث يذكر الوفاء. وحيث تذكر الممالك التي لم تصنع مجدها بالصراخ، بل بالعقل، وبالصبر، وبالعمل.

إن الذين يدعونكم إلى التخريب, قرّائي الأعزّاء, لا يريدون لكم المجد. إنهم يريدون أن ينزلوا الجبل إلى قامتهم القصيرة. لكن الجبال لا تنحني للأقزام. والبحار لا تجف لأن حفنة تراب ألقيت فيها. والشمس لا تنطفئ لأن عابرا نفخ فيها. كونوا أكبر من الاستفزاز. وأوسع من الغضب. وأطول عمرا من لحظة انفعال. اجعلوا من أخلاقكم سورا لا يستطيع العبث أن يتجاوزه. ومن وقاركم حصنا لا تبلغ إليه الفوضى. وتذكروا…أنكم إذا سرتم في شوارع فرنسا، فإن المغرب يسير معكم. لا على أكتافكم…بل في هيئتكم. وفي كلامكم. وفي ابتسامتكم. وفي احترامكم للقانون. وفي رحمتكم بالناس. وفي قدرتكم على كسب القلوب قبل المباريات وبعدها.

أنتم سفراء وطن لا يحمل رسالته بالحبر فقط، بل يحملها بالسلوك. ولذلك، فإن أجمل احتفال بانتصار المغرب هو أن يرى العالم أخلاق المغاربة. وأعظم ردّ على كل متربص هو أن يعود كل طفلٍ إلى بيته آمنا، وكل شارع نظيفا، وكل قلب مطمئنا. ذلك هو النصر الذي لا يستطيع أحد أن ينتزعه منكم.

يا أبناء المملكة الشريفة… تذكروا أنكم أبناء بلد إذا ذكر الملوك، ذكر الوفاء. وإذا ذكر العهد، ذكر الثبات. وإذا ذكرت الكرامة، ذكر المغرب. وفي ظل القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، يبقى أعظم ما يرفعه المغربي في كل أرض يحل بها هو سمو الخلق، واحترام الإنسان، والاعتزاز بالوطن دون اعتداء على أحد، لأن قوة المملكة لا تقاس بعلو الصوت، بل بعلو القيم.

فإذا انتصر المغرب، فليكن انتصاركم ابتسامة، ودعاء، ودمعة فرح، وعلما يرفرف في الهواء دون أن يجرح قلبا أو يكسر بابا. وإذا كانت الغلبة لفرنسا، فصافحوا النتيجة كما يصافح الفرسان أقدارهم، فإنّ الكبرياء الحق لا يحتاج إلى الصراخ ، والشرف لا يفتقر إلى الصخب. ولتكن كلمتكم للعالم أجمع: نحن أبناء المملكة المغربية… ورثنا من وطننا أن الشرف يسبق النصر، وأن الأخلاق تسبق الحماس، وأن الإنسان يبقى أكبر من المباراة، وأن التاريخ لا يخلّد من صرخ، بل يخلّد من ترفّع. فكونوا كما أرادكم المغرب…رفعة إذا فاز. وعظمة إذا خسر. وحضارة في كلّ الأحوال.

والسلام على المغرب، مملكة أبت إلا أن تكون شامخة كشمس لا تستأذن الأفق كي تشرق، وكجبل لا يسأل الرياح إلى أين تمضي، بل يعلمها هي معنى الثبات. والسلام على أبنائه الأوفياء، حيثما كانوا، ما داموا يحملون في قلوبهم وطنا، وفي أخلاقهم مملكة، وفي سلوكهم تاريخا، وفي وجوههم الصورة التي تليق بالمغرب وملوكه.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “أبناء الجالية… لا تجعلوا التاريخ يخجل منكم

  1. ليست كل مباراة معركة، وليست كل منافسة خصومة. نشجع منتخبنا بكل ما في القلب من حب، ونحترم منافسنا بكل ما تمليه علينا أخلاقنا.
    المغرب أكبر من نتيجة، وفرنسا أكبر من مباراة، وما يبقى بعد صافرة النهاية هو احترام الشعوب لبعضها، ورقي الجماهير، ونبل الروح الرياضية.
    فليكن تشجيعنا حماسًا بلا إساءة، وفخرًا بلا تعالٍ، وانتماءً يليق بتاريخ المملكة الشريفة وأخلاق أبنائها.
    حفظ الله المغرب، وأدام بين الشعوب جسور الاحترام والتقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *