كرة طائشة منحت صاحبها أسبوعا من التحيات

ضمن سلسلة: حكايات وطرائف عاشها البدو

بقلم عبد الله شوكا، كاتب وصحافي-المغرب

في زمن كانت فيه ملاعب البوادي تصنع من التراب ذاكرة، ومن الحماس بطولة، ومن المنافسة بين الدواوير حكايات لا تنتهي، لم تكن كرة القدم مجرد لعبة، بل كانت موعدا أسبوعيا يلتقي فيه الشباب، وتلتقي فيه القبائل الصغيرة على لغة واحدة اسمها التحدي. ففي تلك الملاعب البسيطة، حيث لا مدرجات ولا أضواء كاشفة ولا كاميرات تنقل التفاصيل، كانت الكرة تجري بين أقدام لاعبين لا يحملون سوى عشق اللعبة ورغبة جامحة في الانتصار.

وكانت بعض مباريات الدواوير في البوادي لا تشبه مباريات المحترفين، إذ لم تكن التقنيات العالية ولا الخطط التكتيكية هي التي تصنع الفارق دائما، بل كانت القوة البدنية والحماس الكبير هما سيدي الموقف. كانت السيقان القوية تتحدث. والتصادمات العنيفة جزءا من لغة المباراة. وكان كل فريق يدافع عن اسم دواره وكأن الأمر يتعلق بمعركة شرف لا تقبل التراجع.

ومن بين تلك الحكايات التي بقيت عالقة في ذاكرة سكان البوادي، قصة مباراة جمعت بين فريقين من دوارين بمنطقة الرحامنة. كان اللقاء مشتعلا منذ بدايته. كل فريق يريد أن يثبت تفوقه على الآخر، وكل لاعب يحمل في داخله رغبة لا حدود لها في أن يكون صاحب اللحظة التي يتحدث عنها الناس بعد نهاية المباراة. وفي صفوف أحد الفريقين، كان هناك لاعب اسمه رحال. كان رجلا استثنائيا في بنيته الجسدية. طويل القامة، قوي الساقين، وحين ينطلق نحو الكرة كان يبدو كأنه لا يركض فوق أرض الملعب، بل يقتحمها بقوة لا يستطيع أحد إيقافها.

وخلال إحدى الهجمات، قرر رحال أن يترك موقعه الدفاعي ويتقدم نحو مرمى الخصم. وصلت الكرة إليه. اقترب من منطقة الجزاء. ثم أطلق تسديدة قوية. لم تكن تسديدة عادية. كانت قذيفة خرجت من قدمه وكأنها تحمل غضب المباراة كلها. اندفعت الكرة بسرعة هائلة نحو الشباك، وتجاوزت الحارس الذي لم يجد الوقت الكافي حتى لمد يده إليها. لكن في تلك اللحظة ظهر المدافع محمد. كان يقف بين الكرة والمرمى. وكان أمام خيارين: أن يترك الكرة تعانق الشباك، أو يحاول أن يصنع المستحيل ويوقف تلك القذيفة بجسده. اختار التحدي. تقدم نحو الكرة. ورفع رأسه. وفي لحظة خاطفة، اصطدمت الكرة برأسه بكل قوتها. سقط محمد أرضا. وساد الصمت. توقف اللاعبون عن الجري. ونسي الجميع نتيجة المباراة. لم يعد هناك فريق منتصر وفريق منهزم. كان هناك رجل ملقى على الأرض، والجميع ينظر إليه بقلق وخوف. ظن الحاضرون أن تلك التسديدة القوية قد أنهت كل شيء.

وفي غياب وسائل الإسعاف التي أصبحت اليوم أمرا عاديا في الملاعب، كان على رفاق محمد أن يتصرفوا بما توفر لديهم. حملوه بعناية. ووضعوه على دابة. وانطلقوا به في طريق طويلة وعرة، وسط الهضاب والمرتفعات، نحو دواره البعيد. كانت رحلة شاقة. كل خطوة فيها تحمل خوفا جديدا. وكل لحظة تمر كانت تزيد القلق في قلوب رفاقه وأهله. حتى وصلوا أخيرا إلى الدوار. هناك، قضى محمد ليلته الأولى غائبا عن الوعي. كان أهل البيت ينتظرون الصباح كما ينتظر المسافر وصول الفرج.

ومع طلوع الشمس، بدأ شيء من الأمل يعود. فتح محمد عينيه. تحرك. وحاول النهوض. فرح الجميع. اعتقدوا أن الخطر قد زال، وأن ابن الدوار عاد إلى حالته الطبيعية. لكن المفاجأة كانت أن محمد لم يعد كما كان تماما. فقد بدأ يقوم بتصرف غريب أدهش كل من حوله. كان يمد يده إلى كل من يقترب منه. يسلم عليه بحرارة. ثم ينتقل إلى شخص آخر، ويكرر التحية نفسها. وكأنه يستعد لمغادرة المكان في رحلة طويلة. وكأن عقله أخبره أنه بين أناس يودعهم قبل السفر إلى بلاد بعيدة. حاول أهله فهم الأمر. وحاولوا تهدئته. لكن محمد ظل على عادته أياما طويلة. كل من جاء لزيارته نال منه تحية كاملة. حتى أصبح أهل الدوار ينتظرون تلك الحركة الغريبة التي صنعتها كرة رحال أكثر مما صنعتها المباراة نفسها.

مر أسبوع كامل على هذه الحال. أسبوع من التحيات المتواصلة، وسط خوف العائلة ودهشة أهل الدوار. ثم، شيئا فشيئا، عاد محمد إلى نفسه. استعاد وعيه الطبيعي. وعاد يتذكر تفاصيل الحياة كما كانت. لكن شيئا واحدا لم ينسه أبدا. لم ينس قذيفة رحال. تلك الكرة التي لم تدخل المرمى، لكنها دخلت ذاكرة الدوار. وهكذا بقيت الحكاية تتناقلها الألسن، ليس لأنها تحكي عن مباراة كرة قدم فقط، بل لأنها تختصر زمنا كانت فيه المنافسة بسيطة، والفرحة كبيرة، والحوادث تتحول بسرعة إلى حكايات تعيش بين الناس. ففي البادية، لم تكن كل البطولات تكتب في الصحف. بعضها كان يكتب في الذاكرة. وكانت كرة واحدة، وركلة واحدة، ورأس رجل شجاع، كافية لصناعة حكاية تمتد من جيل إلى جيل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *