بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
ثمة فنون تولد لتزيِّن الجدران، وثمة فنون تخلق لتشيّد الأمم. أمّا الزليج المغربي، فلم يكن يوما زينة للحجر، بل كان الحجر نفسه يبحث عنه ليصير جديرا بالخلود. قبل أن تتعلّم المدن أسماءها، وقبل أن تحفظ الخرائط حدودها، كانت مطارق المعلمين المغاربة تنقر الصمت، وتستخرج من الطين شمسا أخرى، ومن النار قوس قزح لا ينطفئ. هناك، في فاس، حيث تتوضأ الأزقة بالعطر، وفي مراكش التي تكتبها الشمس بحبر الزعفران، وفي مكناس والرباط وتطوان، كان الزليج يولد كما يولد الدعاء في قلب مؤمن؛ هادئا، عميقا، خالدا.
ليس الزليج حجارة ملوّنة… بل هندسة تستعير من النجوم نظامها، ومن البحر زرقته، ومن النخيل خضرته، ومن التراب المغربي كبرياءه. كل قطعة فيه كوكب، وكل شكل مجرة، وكل جدار سماء صغيرة علّقها المعلم المغربي فوق الأرض حتى لا تنسى الإنسانية أن الجمال يمكن أن يكون عبادة. حين يمسك “المعلّم” مطرقته، لا يبدو كحرفيّ يصنع البلاط، بل كعازف يقود أوركسترا من الطين والنار والضوء. الضربة عنده ليست ضربة… إنّها قرار هندسي، ونبض موروث، وعهد قطعه الأجداد على الأحفاد: أن يبقى الجمال المغربي عصيّا على النسيان. لهذا، لم يكن الزليج يوما صناعة تعدّ الورشات، بل مدرسة في الصبر، وأخلاقا في الإتقان، وفلسفة كاملة ترى أنّ الكمال لا يهدى، بل ينتزع من قلب المادة، قطعة بعد قطعة، حتى يبتسم الحجر.
واليوم، حين يتّجه المغرب نحو منظمة اليونسكو، فإنه لا يحمل ملفا إداريا باردا، بل يحمل قرونا من الذاكرة، وأصابعَ آلاف المعلمين الذين تركوا بصماتهم على المساجد والرياضات والقصور والزوايا، دون أن يوقّعوا أسماءهم؛ لأنّ أعظم الفنانين هم أولئك الذين يوقّعون بأعمالهم لا بحروفهم. إنّ الزليج المغربي لا يحتاج إلى شهادة ليصبح عريقا، فهو أقدم من شهادات الاعتراف، وأرسخ من تقلبات السياسة، وأبقى من ضجيج اللحظة. غير أن تسجيله في اليونسكو هو انتصار لذاكرة الإنسانية، واعتراف بأنّ هذا الفن الاستثنائي يمثل تجربة حضارية حافظ عليها المغرب جيلا بعد جيل، دون أن تنكسر السلسلة الذهبية التي تربط المعلم بتلميذه.
وقد يشتد التنافس حول التراث، وقد تتعدد الروايات، لكن التاريخ لا يكتب بالصدى، بل بالأثر؛ والأثر المغربي حاضر في المدارس العتيقة، والمساجد الشامخة، والقصور التي تتكلم بالحجر كما تتكلم القصائد باللغة. وما بقي حيا في الورشات، وتوارثته الأيدي جيلا بعد جيل، لا يحتاج إلى ضجيجٍ كي يثبت وجوده؛ فالشمس لا تدخل في مناظرة مع المصباح. الزليج المغربي ليس مجرد فسيفساء… إنّه دستور للجمال، كتبه المغاربة بأزاميلهم قبل أن تكتبه الأقلام. إنّه صلاة هندسية لا إمام لها سوى الإبداع، ولا مئذنة لها سوى الخيال، ولا قبلة لها سوى الإتقان. سيبقى الزليج المغربي، مهما تبدلت الأزمنة، وطنا من الألوان، ومملكة من الضوء، ومخطوطة من خزف لا تمحوها الرياح. وستظل كل قطعة منه تقول للعالم، في صمت مهيب، إنّ الحضارات العظيمة لا تصرخ لتعرف… بل يكفي أن تترك على الحجر أثرا يعجز الزمن عن محوه.
📲 Partager sur WhatsApp