بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
في قلب المحيط، حيث لا يملك الإنسان سوى ظل صغير فوق صفحة زرقاء لا تنتهي، حدثت تلك الحكاية التي تبدو كأنها خرجت من صندوق قديم كانت الرياح تخبئ مفتاحه منذ قرون. هناك، بين الماء والسماء، حيث يصبح الأفق خطا رفيعا بين الرجاء والفناء، كتب البحر فصلا جديدا من روايته الغامضة: سبعة أرواح رفضت أن تتحول إلى أرقام في قائمة المفقودين. البحر كائن غريب. يبدو هادئا من بعيد، لكنه يحمل في داخله ذاكرة عميقة لا تشبه ذاكرة البشر. هو مقبرة ومهد في الوقت نفسه، يبتلع السفن ثم يعيد أحيانا بعض ركابها كما لو أنه ندم في اللحظة الأخيرة. وفي هذه الحكاية لم يكن الماء عدوا فقط، بل كان سجانا وقاضيا وحارسا غامضا يختبر قدرة الإنسان على التشبث بالخيط الرفيع الذي يفصل بين النهاية والبداية.
السفينة التي ابتلعها الموج لم تكن مجرد قطعة من الحديد والخشب. كانت عالما صغيرا يحمل عشرات الأحلام المتنقلة. كان فيها ضحك أطفال، وخطط لأمهات، وذكريات رجال تركوا خلفهم شواطئ ينتظرون العودة إليها. وعندما اختفت تحت الماء لم يغرق هيكلها وحده، بل بدا كأن جزءا من قصص كثيرة هبط إلى قاع مجهول. لكن الإنسان يحمل داخله شيئا لا تفهمه العواصف. يحمل عنادا يشبه الضوء حين يجد طريقه من شق صغير في جدار مظلم. فبعد أيام من الضياع، وبينما كان البحر يمد ليله الطويل فوق رؤوس الناجين، بقيت هناك سبع شرارات صغيرة تقاوم الريح والبرد والخوف. لم يكونوا يحاربون الماء فقط، بل كانوا يحاربون فكرة الغياب نفسها.
في تلك الأيام الثلاثة، ربما لم يكن الوقت يمشي كما يمشي على اليابسة. فساعة واحدة في وسط المحيط قد تصبح مدينة كاملة من الانتظار، ولحظة خوف قد تتحول إلى قرن من الأسئلة. هناك، فوق طوف بسيط، يصبح الإنسان وجها أمام وجه مع الكون. لا يملك قصورا ولا أموالا ولا شهرة، بل يملك فقط نبضة قلب تقول له: ما زلت هنا. أما الجزيرة المهجورة التي احتضنت اثنين من الناجين، فتبدو كأنها شخصية خرجت من أسطورة قديمة. جزيرة بلا سكان، لكنها لم تكن بلا حياة. ربما كانت الأشجار فيها تراقب وصول الغرباء، وربما كانت الرمال تحفظ خطواتهم الأولى كما تحفظ الكتب القديمة توقيعات العابرين. لقد تحولت قطعة الأرض الصغيرة إلى سفينة أخرى، لكن هذه المرة سفينة ثابتة وسط محيط لا يرحم.
إن أكثر ما يدهش في هذه القصة ليس فقط النجاة، بل الطريقة التي تكشف بها المآسي جوهر الإنسان. ففي اللحظات العادية ننسى هشاشتنا، ونظن أننا نملك العالم. لكن عندما يصبح البحر هو الغرفة الوحيدة والسماء هي السقف الوحيد، نكتشف أن أعظم ما نملكه ليس القوة، بل القدرة على الانتظار. النجاة ليست دائما انتصارا على الطبيعة، بل أحيانا حوارا سريا معها. كأن الإنسان يقول للبحر: خذ كل ما تريد، لكن اترك لي فرصة أخرى. وكأن البحر، في لحظة نادرة من الرحمة، يجيب: خذ هذه الفرصة، وعد إلى اليابسة واحك ما رأيت. هذه الحكاية تشبه رسالة وضعت في قارورة ثم حملتها الأمواج حتى وصلت إلى شاطئ العالم. رسالتها ليست فقط أن سبعة أشخاص نجوا، بل أن الإنسان، مهما بدا صغيرا أمام المحيطات والعواصف، يحمل في داخله محيطا آخر من الإرادة.
سيكتب الخبراء عدد الناجين والمفقودين، وستسجل التقارير تفاصيل الحادث، لكن البحر سيحتفظ برواية أخرى. رواية عن طفلة في السابعة واجهت اتساع الماء، وعن غرباء جمعهم الخطر قبل أن تجمعهم الحياة، وعن لحظة قررت فيها الرياح أن تفرقهم ثم قرر الأمل أن يعيد بعضهم. وفي النهاية، يبقى المحيط كما هو: كتابا أزرق لا تنتهي صفحاته. يكتب فيه الإنسان ضعفه وشجاعته معا. وكل سفينة تغادر الشاطئ تحمل معها سؤالا أبديا: هل نحن الذين نعبر البحر، أم أن البحر هو الذي يعبرنا ويترك في أرواحنا أثرا لا يمحى؟
📲 Partager sur WhatsApp