ألو… عباس الغرباوي من بوزنيقة…

بقلم عبد الله شوكا، كاتب وصحافي- المغرب

ألو… عباس الغرباوي من بوزنيقة. اسم بسيط ارتبط في ذاكرة الإذاعة المغربية بمرحلة ذهبية من تاريخ الاستماع، حين كان الراديو هو النافذة الوحيدة التي يطل منها المغاربة على العالم، قبل أن يدخل التلفزيون إلى البيوت ويغير عادات المتابعة والفرجة. خلال فترة الستينات والسبعينات، كان جهاز الراديو أكثر من مجرد وسيلة إعلام، فقد كان رفيق الأسر المغربية، ومصدر الأخبار والمعرفة والترفيه، وفضاء تجتمع حوله العائلات للاستماع إلى برامج أصبحت مع مرور الزمن جزءا من الذاكرة الجماعية، برامج حملت بصمة جيل من كبار المذيعين الذين صنعوا مجد الميكروفون المغربي.

وإلى اليوم، ما يزال المغاربة يستعيدون أسماء برامج إذاعية ارتبطت بزمن جميل، من بينها برنامج “ليالي رمضان” الذي قدمه الراحلان سعيد الزياني وامحمد الجفان، وبرنامج “سمير الليل” الذي أشرف عليه الاذاعي امحمد البوكيلي قبل أن يواصل تقديمه الاذاعي رشيد الصباحي، وبرنامج “ندوة المستمعين” الذي حمل توقيع الراحل محمد السباعي، إضافة إلى برنامج “سهرة السبت” الذي كانت تقدمه المذيعة حياة بلعولة، وبرنامج “طريق الشمس” الذي كان يبث ظهيرة كل يوم سبت بصوت الراحل امحمد الجفان. كانت تلك البرامج ثمرة اختيار دقيق من طرف رواد الاذاعة المغربية، الذين أدركوا أن قوة الميكروفون لا تكمن فقط في نقل الخبر، بل في بناء علاقة إنسانية مع المستمع، علاقة جعلت الصوت القادم من جهاز الراديو قريبا من القلوب وكأنه صوت أحد أفراد العائلة. وفي زمن لم يكن فيه الهاتف الثابت متوفرا لدى الجميع، كان التواصل مع الاذاعة يحمل طابعا خاصا، وكان المستمعون ينتظرون لحظات المشاركة في البرامج بكل شغف، سواء للإجابة عن سؤال أو حل لغز أو التعبير عن رأي.

ومن بين الأسماء التي صنعت لنفسها مكانة خاصة في تلك المرحلة، يبرز اسم عباس الغرباوي من مدينة بوزنيقة، المستمع الوفي الذي أصبح حضوره مألوفا لدى متتبعي الاذاعة المركزية بالرباط. كان المغاربة يعرفون أن اسم عباس الغرباوي سيظهر مبكرا عند طرح أي سؤال أو مسابقة إذاعية، فقد كان من أوائل الذين يتواصلون مع البرامج، حتى أصبح اسمه معروفا لدى مقدمي مختلف الحصص الاذاعية، الذين اعتادوا سماع عبارته الشهيرة: ألو… عباس الغرباوي من بوزنيقة. لم يكن عباس الغرباوي مجرد مستمع عابر، بل كان جزءا من ذاكرة الاذاعة المغربية في تلك الفترة. فقد كان شغوفا بمتابعة البرامج، ومخلصا لعالم الميكروفون، وساعده في ذلك عمله في محل تجاري بمدينة بوزنيقة، حيث كان يتوفر على هاتف ثابت يمكنه من التواصل مع الاذاعيين والمشاركة في مختلف البرامج.

ولهذا، كان كل من يزور مدينة بوزنيقة من محبي الاستطلاع يسأل عن الرجل الذي ارتبط اسمه بالاذاعة، وعن ذلك المستمع الذي جعل من المتابعة اليومية شغفا حقيقيا، حتى أصبح اسمه معروفا خارج حدود المدينة. إن قصة عباس الغرباوي ليست مجرد حكاية مستمع أحب الاذاعة، بل هي شهادة على زمن كانت فيه العلاقة بين المذيع والمستمع أكثر دفئا، حين كان الصوت الاذاعي يحمل مشاعر الناس وأحلامهم، وحين كان المستمع شريكا حقيقيا في صناعة نجاح البرامج. إنها صفحة من صفحات الزمن الجميل، حين كان الراديو نافذة الأمل، وكانت أسماء مثل عباس الغرباوي من بوزنيقة جزءا من الحكاية التي لا تزال تعيش في وجدان المغاربة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *