العالم يكتشف أن الخرائط لا تأكل الخبز

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك أوهام تموت بصمت، وأخرى يقتلها الواقع أمام أعيننا. ومن أكبر أوهام هذا العصر أن بعض الشعوب تعيش خارج قانون الأزمات، وأن الغلاء إذا طرق باب الرباط فإنه لم يطرق أبواب باريس، أو أن ما يثقل كاهل الأسرة المغربية لم يترك ظله على موائد أوروبا وآسيا والأمريكيتين. الحقيقة أكثر غرابة من الخيال. فالغلاء ليس رقما في تقارير البنوك المركزية، بل مخلوق أسطوري خرج من رحم الحروب، يرتدي عباءة من لهب، ويجر خلفه عربة صنعت عجلاتها من النفط، ومصابيحها من الغاز، وسياطها من سلاسل الإمداد الممزقة. كلما عبر بلدا، لم يكن يهدم البيوت، بل كان يسرق شيئا أشد خطرا… كان يسرق الطمأنينة من القلوب.

في زمن مضى، كانت الحروب تحاصر المدن. أما اليوم، فإنها تحاصر الأسواق. لم تعد المدافع تكتفي بإسقاط الجدران، بل صارت تسقط أسعار العملات، وترفع أثمان الغذاء، وتجعل الرغيف الصغير يحمل على ظهره أثقال السياسة والجغرافيا معا. كأن العالم كله تحول إلى رقعة شطرنج هائلة، لا يتحرك فيها حجر إلا وترتج من تحته موائد ملايين الأسر. ومن يظن أن المغرب وحده يسير في هذا الدرب، كمن يقف تحت المطر ويعتقد أن الغيمة اختارته وحده.

ها هي فرنسا، إحدى أعمدة الاقتصاد الأوروبي، تعلن عودة التضخم بفعل ارتفاع أسعار الطاقة والخدمات والمواد الغذائية. وها هي ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وغيرها من الاقتصادات الكبرى، تواجه بدورها ضغوطا متزايدة فرضتها الحروب وتقلبات الطاقة واضطراب التجارة العالمية. كأن الغلاء صار ريحا كونية لا تقرأ أسماء الدول قبل أن تعبرها، ولا تسأل عن قوة اقتصاد أو ضعفه، بل تمضي كقدر أعمى يطرق كل الأبواب. لقد تغير العالم حتى أصبح يشبه شجرة كونية تنمو جذورها تحت جميع القارات. إذا ارتجف جذر في الشرق، تساقطت أوراق في الغرب. وإذا احترق بئر نفط في بقعة بعيدة، ارتفعت حرارة الأسعار في أسواق تبعد آلاف الكيلومترات. لم تعد الجغرافيا تحكم الاقتصاد، بل صار الاقتصاد ساحرا يبدل قوانين الجغرافيا كل صباح.

غير أن أكثر ما يثير الدهشة ليس الغلاء، بل الطريقة التي نتعامل بها معه. فما إن ترتفع الأسعار حتى يبحث الناس عن متهم واحد، وكأن أزمة صنعتها حروب، وأوبئة، وأسواق عالمية، وبنوك مركزية، وممرات بحرية، يمكن اختزالها في عنوان واحد أو حكومة واحدة. إن الأمم التي تنجو من العواصف ليست تلك التي لا تضربها الرياح، بل تلك التي تعرف أن الشجرة لا تصرخ كلما هبت الريح، لأنها تعلم أن جذورها أعمق من العاصفة.

يا أيها المغاربة…لا تجعلوا من وطنكم مرآة تعكس كل أوجاع العالم، ولا تسمحوا للغضب أن يحجب عنكم اتساع المشهد. فمن حق المواطن أن يطالب بالعدالة الاجتماعية، وبسياسات أكثر نجاعة، وبحماية قدرته الشرائية، ومن واجب الدولة أن تبذل أقصى ما تستطيع لتخفيف الأعباء ومحاربة الاحتكار وتعزيز الإنتاج. لكن من الحكمة أيضا أن ندرك أن الريح التي تعصف ببيوتنا هي نفسها التي هزت أسقف عواصم كانت تظن أن اقتصادها أقوى من المفاجآت.

الوطن لا يبنى في سنوات الرخاء فقط، بل يولد من جديد في مواسم الشدة. ففي الأزمات تتعرى المعادن، ويظهر الفرق بين أمة تتنازعها الأصوات، وأمة تتماسك لأن أبناءها أدركوا أن السفينة لا تنجو إذا انشغل ركابها بإلقاء اللوم على المجاديف، ونسوا أن البحر كله غاضب. سيأتي يوم تهدأ فيه هذه الريح، كما هدأت عواصف سبقتها. وسيكتب التاريخ أن العالم لم يهزم بسبب ارتفاع الأسعار، بل كاد يهزم حين صدق أن كل بلد يعيش أزمته منفردا. فالأزمات الكبرى لا تعترف بالحدود، لأنها تسكن في قلب عالم واحد، يتنفس برئة واحدة، وإذا اختنق جزء منه، شعر الجميع بضيق النفس.

وحين يفتح التاريخ سجلات هذا الزمن، لن يسأل أي الشعوب عرفت الغلاء، فالجميع عرفه. ولن يسأل أي الدول أصابتها العاصفة، فالعاصفة مرت بالجميع. بل سيسأل سؤالا واحدا: من الذي حافظ على وعيه حين فقد الآخرون بوصلتهم؟ ومن الذي اختار أن يبني جسور الأمل، بينما كان آخرون يبنون من الخوف أسوارا حول أوطانهم؟ ذلك وحده هو الامتحان الحقيقي للأمم. وذلك وحده هو المجد الذي لا تشتريه الأسواق، ولا تصنعه الأزمات.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *