أوروبا تكتشف أنّ الخرائط لا توقف الريح

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك مدن تتحول، في لحظة نادرة، إلى أفكار. وهناك موانئ لا تستقبل السفن، بل تستقبل الأسئلة. وسبتة، في ذلك الصباح الذي تدفقت فيه أمواج البشر نحو أسوارها، لم تعد مدينة إسبانية معلقة على خاصرة إفريقيا، بل أصبحت محكمة كونية، جلس فيها التاريخ قاضيا، والجغرافيا شاهدا، والإنسانية متهمة، وأوروبا تدافع عن نفسها أمام سؤال لم تستطع الفلسفة السياسية الحديثة أن تجد له جوابا نهائيا. لم يكن الذين عبروا البحر يحملون مشروعا لغزو القارة. ولم تكن القوارب المطاطية جيوشا تتقدم نحو عاصمة إمبراطورية. كانوا يحملون شيئا أخطر بكثير من السلاح: كانوا يحملون الحاجة. والحاجة، منذ خلق الإنسان، هي القوة الوحيدة التي لم تنجح الإمبراطوريات في إخضاعها.

لقد اختلف الأوروبيون، كما نقلت الأخبار، قبل أن يجف ماء البحر عن أقدام الوافدين. مدريد رأت نفسها وحيدة أمام ضغط إنساني واستراتيجي، وطالبت بتضامن أوروبي. بينما ارتفعت أصوات في روما وكوبنهاغن وعواصم أخرى، تدعو إلى مزيد من الصرامة وتشديد الحدود، بل إن بعض الخطابات ذهبت إلى المطالبة بإجراءات سياسية غير قابلة للتطبيق قانونيا. أما بروكسل، فقد وجدت نفسها، مرة أخرى، تحاول إنتاج عبارة تصلح لكل المناسبات: “استجابة أوروبية مشتركة”، مصحوبة بحديث عن تعزيز المراقبة، وتقوية الحدود، وربما إقامة المزيد من الحواجز. لكن المدهش أن الجميع كان يناقش الأبواب… ولم يسأل أحد: لماذا يتحرك البيت كله نحو الباب؟ السياسة، في كثير من الأحيان، تشبه طبيبا يقيس حرارة المريض كل ساعة، لكنه يرفض النظر إلى الورم الذي يلتهم جسده. وهذا ما تفعله أوروبا منذ سنوات مع الهجرة. إنها تناقش عدد الدوريات البحرية، ولا تناقش عدد الحروب. تحصي القوارب، ولا تحصي الصحارى التي تبتلع القرى. تتحدث عن المهربين، لكنها نادرا ما تتحدث عن الاقتصاد العالمي الذي جعل الإنسان في الجنوب يكدح طوال حياته ليظل أفقر مما يولد به طفل في الشمال. إنها تعالج الظل، وتترك الجسد.

لقد كانت أوروبا تؤمن، منذ معاهدة وستفاليا، بأن الدولة تبدأ من الحدود. وكان ذلك صحيحا. لكن القرن الحادي والعشرين جاء ليقول إن الحدود لم تعد بداية الدولة، بل أصبحت نهاية وهمها. فالجغرافيا السياسية الكلاسيكية كانت ترى العالم رقعة شطرنج، تتحرك عليها الدول مثل قطع جامدة، لكل منها مربعها، وسيادتها، وجيشها، وخطوطها الحمراء. أما الجغرافيا السياسية الجديدة، فإنها ترى العالم شبكة أعصاب هائلة، إذا وخزت إصبعها في النيجر ارتجف قلبها في مدريد، وإذا جف نهر في الساحل الإفريقي اهتزت أسواق العمل في برلين، وإذا اشتعلت حرب في الشرق الأوسط تغيرت نتائج الانتخابات في باريس. لقد ماتت الحدود بوصفها جدرانا. وبقيت بوصفها إجراءات إدارية.

إن أكبر خطأ ارتكبته أوروبا أنها صدقت خرائطها أكثر مما صدقت الطبيعة. فالخريطة تكذب بأناقة. ترسم خطا أزرق، ثم تقنعك أن ما على يمينه يختلف جوهريا عما على يساره. لكن البحر يسخر من هذا الخط. فالأسماك لا تعرف أين تنتهي السيادة الإسبانية وتبدأ المياه المغربية. والرياح لا تتوقف عند نقطة جمركية. والغبار القادم من الصحراء الكبرى يعبر المتوسط كل عام، فيصبغ سماء الأندلس بلون إفريقيا، كأن الطبيعة تذكر الأوروبيين بأن القارات ليست جزر أخلاقية، بل أعضاء في جسد واحد. ولعل الطبيعة أكثر فصاحة من جميع وزراء الداخلية. يقال إن أوروبا تخشى الهجرة. لكن الحقيقة أنها تخشى المرآة. فكل مهاجر يصل إلى شواطئها يحمل سؤالا لا تستطيع الإجابة عنه بسهولة. كيف يمكن لقارة بنت ثروتها عبر قرون من الملاحة والاستعمار والتجارة العالمية واستنزاف الموارد والأسواق، أن تتعامل اليوم مع نتائج عالم ساهمت هي نفسها في تشكيله؟ إن كثيرا من طرق الهجرة ليست سوى الطرق نفسها التي سلكتها السفن الأوروبية قبل قرون، لكنها اليوم تسير في الاتجاه المعاكس. لقد عاد التاريخ، لا لينتقم، بل ليذكر. والتاريخ لا يطرق الباب مرتين بالطريقة نفسها.

أما اليمين الشعبوي، فقد وجد في الهجرة منجما لا ينضب. إنه لا يحتاج إلى حل الأزمة. بل يحتاج إلى بقائها. فالخوف هو المادة الخام التي يصنع منها خطابه. وكلما ارتفع عدد القوارب، ارتفعت أسهمه في صناديق الاقتراع. إن الشعبوية لا تبني رؤيتها على الواقع، بل على هندسة الانفعال. إنها تحول الإنسان إلى رقم، والرقم إلى تهديد، والتهديد إلى شعار، ثم تبيع الشعار للناخب باعتباره الحقيقة الوحيدة. لكن التاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تنهار لأنها استقبلت الغرباء. إنها تنهار عندما تصبح خائفة من نفسها. هناك حقيقة أكثر عمقا من كل برامج الأحزاب. الهجرة ليست حركة بشر فقط. إنها حركة كوكب. إنها اللغة التي يتكلم بها المناخ عندما يعجز عن الكلام. حين ترتفع الحرارة، تتحرك القبائل. حين يجف المطر، تتحرك القرى. حين ينهار الاقتصاد، تتحرك المدن. وحين تفشل السياسة، يتحرك الجميع. ليس الإنسان هو الذي يهاجر وحده. بل تتحرك معه التربة، والذاكرة، واللهجات، والعادات، والمطابخ، والأغاني، والصلوات، والأحلام.

إنّ كل مهاجر يحمل وطنا صغيرا مطويا في قلبه. ولعل السؤال الذي أخطأت أوروبا في صياغته هو: كيف نمنع الهجرة؟ بينما السؤال الحقيقي هو: كيف نمنع العالم من إنتاج أسبابها؟ لن تمنعها الأسوار. لأن السور لا يوقف الجفاف. ولن تمنعها السفن العسكرية. لأن البارجة لا تهزم التصحر. ولن تمنعها القوانين. لأن القانون لا يزرع حقلا، ولا يطفئ حربا، ولا يبني مدرسة. إن الأمن يبدأ من حيث تنتهي السياسة اليومية. يبدأ من التنمية، ومن العدالة، ومن الاستثمار في الجنوب، ومن شراكة لا تقوم على إدارة الأزمات، بل على منع ولادتها. ربما كانت سبتة، في ظاهرها، أزمة حدود. لكنها، في جوهرها، نهاية عصر. نهاية الاعتقاد بأن البحر الأبيض المتوسط يفصل بين عالمين. لقد كان المتوسط، منذ الفينيقيين إلى الأندلس، جسرا أكثر منه خندقا. ومن يحاول تحويله إلى جدار مائي، إنما يحاول أن يقنع المد والجزر بأن يلتزما بقرارات بيروقراطية. وهذا ما لا يفعله البحر.

ليست أوروبا أمام أزمة هجرة. إنها أمام أزمة فلسفة. فإما أن تستمر في الاعتقاد أن الإنسان يمكن احتواؤه داخل خرائط رسمتها الدول، وإما أن تدرك أن القرن الحادي والعشرين يعيد تعريف الأمن والسيادة والحدود نفسها. لقد أصبح الأمن البيئي جزءا من الأمن القومي.ى وأصبح الفقر في الجنوب قضية داخلية في الشمال. وأصبحت العدالة الدولية شرطا للاستقرار المحلي. هذه ليست رومانسية سياسية. بل هي الجغرافيا الجديدة للعالم. وحين يفهم الأوروبي أن الطفل الذي يغادر قرية عطشى في الساحل الإفريقي، ليس غريبا عن مستقبله، بل جزء منه، عندها فقط سيكتشف أن الحدود ليست نهاية الجغرافيا، بل بداية المسؤولية. فالإنسان، منذ خرج من ظلمة الكهف الأول، لم يكن ابن المكان. كان ابن الطريق. وكل الحضارات التي نسيت هذه الحقيقة، تحولت إلى متاحف جميلة… يزورها التاريخ، ثم يغادرها إلى أمم أكثر قدرة على فهم حركة الإنسان، لأنها فهمت قبل ذلك حركة الحياة نفسها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *