بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك لحظات في التاريخ لا يبدو فيها الحدث السياسي مجرد حدث. يصبح الرجل رمزا. . ويصبح الماضي، الذي ظن المنتصرون أنهم دفنوه تحت طبقات من المراسيم والقوانين وإعادة هندسة المؤسسات، قادرا على النهوض من قبره، مرتديا بدلة رسمية، والجلوس بهدوء في أعلى هرم الدولة. هذا ما يجعل انتخاب أندراس باكا رئيسا للمجر أكثر من مجرد انتقال رجل في الثالثة والسبعين من قاعة القضاء إلى القصر الرئاسي. إنه، في جوهره، عودة شبح الدولة القانونية إلى المكان الذي شهد محاولة إبعاده. فالرجل الذي أخرج من رئاسة المحكمة العليا في عهد فيكتور أوربان، بعد اعتراضه على ما اعتبره مساسا باستقلال القضاء، يعود اليوم إلى قمة الدولة لا بوصفه قاضيا منتقما، وإنما بوصفه رمزا لمؤسسة يفترض أن تكون فوق الانتقام. وهنا تكمن المفارقة. السياسة حاولت إبعاده. والزمن أعاده.
أحيانا يكون الماضي هو المعارضة الوحيدة التي لا يمكن إسكاتها الأنظمة السياسية تستطيع تغيير القوانين. يمكنها إعادة رسم المؤسسات. يمكنها تغيير أسماء المحاكم. يمكنها تعديل سن التقاعد. يمكنها تغيير موازين القوى في البرلمان. لكنها تواجه مشكلة لا حل لها بسهولة: الذاكرة. فالذاكرة السياسية لا تحتاج إلى مقعد في البرلمان. ولا تحتاج إلى حزب. ولا إلى تمويل. إنها تنتظر. ثم تعود في اللحظة التي يتغير فيها ميزان القوة. ولهذا فإن صعود باكا يحمل دلالة تتجاوز شخصه. الرجل الذي كان قد رفض، بحسب الرواية المتداولة حول مساره القضائي، أن تتحول إعادة تشكيل القضاء إلى عملية تطهير مقنعة، يجد نفسه بعد سنوات في موقع دستوري يرمز إلى وحدة الدولة. وكأن التاريخ يقول للسلطة القديمة: يمكنكم إبعاد القاضي. لكنكم لا تستطيعون إبعاد السؤال الذي طرحه.
من أكثر الأخطاء شيوعا أن نتعامل مع دولة القانون كأنها مبنى. هناك محكمة. هناك دستور. هناك برلمان. هناك قصر رئاسي. إذن، الدولة القانونية موجودة. لكن دولة القانون ليست مجموعة مبان. إنها سلوك. هي قدرة السلطة على قبول وجود حدود أمامها. والمفارقة أن السلطة لا تثبت قوتها عندما تستطيع أن تفعل كل شيء. بل عندما تستطيع أن تتوقف أمام شيء لا يحق لها فعله. وهنا يصبح القضاء اختبارا حقيقيا لأي نظام سياسي. القاضي المستقل ليس عدوا للحكومة. إنه العدو الحقيقي لفكرة أن الحكومة لا يمكن أن تخطئ. ولهذا فإن قصة باكا ليست قصة رجل مع أوربان بقدر ما هي قصة صراع بين تصورين للدولة. في التصور الأول، الدولة قوية لأن السلطة قوية. وفي التصور الثاني، الدولة قوية لأن المؤسسات أقوى من الأشخاص. الفرق بين الاثنين قد يبدو فلسفيا. لكنه في الواقع هو الفرق بين الدولة والنظام. منذ سنوات، لم يعد اسم فيكتور أوربان مجرد اسم لرئيس حكومة. لقد أصبح رمزا لنموذج سياسي كامل داخل أوروبا: نموذج يرى في السيادة الوطنية، والهوية المحافظة، والشك في بعض أشكال الليبرالية السياسية، ومقاومة ما يعتبره تدخلا خارجيا، عناصر أساسية في مشروعه. لكن المشكلة في المشاريع السياسية التي تستمر طويلا أنها تترك آثارها في المؤسسات. وحين يتغير الحكم، لا يكفي أن يتغير رئيس الحكومة. يجب أن تسأل الدولة نفسها: ماذا حدث للقضاء؟ ماذا حدث للإعلام؟ ماذا حدث للرقابة؟ ماذا حدث للفصل بين السلطات؟ ماذا حدث للثقة؟
وهذه الأسئلة أكثر صعوبة من تغيير اسم على باب مكتب. المنصب الرئاسي في المجر محدود الصلاحيات مقارنة برئاسة الحكومة. ولهذا فإن القيمة الحقيقية لانتخاب باكا ليست في القوة التنفيذية التي سيملكها. بل في القوة الرمزية التي يحملها. وهذه نقطة شديدة الأهمية. في السياسة، هناك أحيانا مناصب لا تحكم كثيرا، لكنها تقول كثيرا. الرئيس يستطيع أن يكون ذا سلطة محدودة، لكنه يستطيع أن يكون ذا معنى هائل. وبالنسبة إلى رجل ارتبط اسمه بتاريخ استقلال القضاء، فإن وصوله إلى الرئاسة يبعث برسالة واضحة إلى الداخل والخارج: المجر الجديدة، كما تريدها الأغلبية البرلمانية الحالية، تريد أن تقول إنها لا تعيد بناء الدولة فقط، وإنما تعيد بناء ذاكرتها أيضا. من منظور بروكسل، المسألة لا تتعلق برجل واحد. الاتحاد الأوروبي لا يراقب فقط من يحكم في بودابست. إنه يراقب كيف تعمل الدولة. هل تستطيع المحاكم أن تقول “لا”؟ هل يستطيع البرلمان أن يراقب الحكومة؟ هل تستطيع المؤسسات المستقلة أن تعمل دون خوف؟ هل يمكن تغيير النظام من دون أن تتحول عملية التغيير إلى نسخة معاكسة من الاستبداد السابق؟ وهنا تقع المعضلة الكبرى أمام حكومة بيتر ماغيار. فالسلطة الجديدة التي تصل إلى الحكم باسم إعادة دولة القانون ستكون مطالبة بأن تثبت أنها لا تريد الانتقام باسم دولة القانون. وهذا امتحان أصعب بكثير من الفوز في الانتخابات.

هناك درس تاريخي بالغ الأهمية في هذه اللحظة. إذا جاءت سلطة جديدة لتقول إنها ستصلح المؤسسات، ثم بدأت بإقصاء الخصوم بالطريقة نفسها التي كانت تنتقدها، فإنها لا تكون قد هدمت النظام القديم. إنها فقط غيرت لون الجدار. الديمقراطية ليست أن يأتي فريق جديد ويستخدم أدوات الفريق القديم. الديمقراطية هي أن تصبح الأدوات نفسها مختلفة. أن يصبح القانون أبطأ من الغضب. أن يصبح القضاء أهدأ من الشارع. أن تصبح المؤسسات أقوى من الرغبة في الانتقام. ولهذا فإن وجود رجل مثل باكا في قمة الدولة يحمل مفارقة أخلاقية وسياسية. هو رمز لضحايا استقلال القضاء في المرحلة السابقة. لكن قيمته الحقيقية ستظهر إذا تمكن من أن يكون رئيسا لكل المجريين، لا قاضيا على الماضي. في سيرة باكا عنصر آخر يمنحه ثقلا خاصا. لقد كان قاضيا في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لسنوات طويلة. وهذا يعني أن تجربته لم تكن محلية فقط. لقد عاش داخل منظومة قانونية أوروبية تقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، هائلة في نتائجها: الدولة ليست فوق القانون. وهذه الفكرة هي إحدى أكثر الأفكار ثورية في التاريخ السياسي الحديث. فالملك كان فوق القانون. ثم جاءت الدولة الحديثة لتقول إن الحاكم نفسه يجب أن يخضع لقواعد. ثم جاءت حقوق الإنسان لتقول إن الدولة لا تستطيع أن تفعل كل ما تريد حتى باسم الشعب. وبهذا المعنى، فإن باكا لا يعود إلى الرئاسة وحده. تعود معه فكرة أوروبية قديمة: أن السلطة لا تكون مشروعة فقط لأنها منتخبة، بل لأنها مقيدة.
المفارقة الكبرى أن إصلاح الدولة قد يحتاج أحيانا إلى سلطة قوية. لكن دولة القانون تقوم أصلا على تقييد السلطة القوية. وهنا تظهر واحدة من أعقد مفارقات الانتقال السياسي. كيف تصلح المؤسسات التي أضعفتها السلطة من دون أن تستخدم سلطة جديدة لإضعافها بطريقة أخرى؟ كيف تعيد استقلال القضاء من دون أن تجعل القضاء أداة لتصفية الحسابات؟ كيف تعيد كتابة الدستور من دون أن تجعل الدستور غنيمة انتخابية؟ كيف تبني دولة قانون جديدة من دون أن تحول الماضي إلى محكمة انتقام؟ هذه الأسئلة ستكون أكثر أهمية من اسم الرئيس نفسه. إذا كانت الحكومة الجديدة تستعد لإعادة كتابة الدستور خلال فترة تمتد، بحسب ما ورد، بين عام وعام ونصف، فإن المسألة تصبح أكبر من تغيير نصوص. الدستور هو الطريقة التي تقول بها الأمة لمن يحكمها: إلى هنا تستطيع أن تصل. ومن هنا تبدأ حدودك. ولهذا فإن أخطر دستور هو الذي يكتب في لحظة انتقام. وأفضل دستور هو الذي يكتب في لحظة خوف من المستقبل. لأن الدولة الدستورية لا ينبغي أن تسأل فقط: ماذا نريد من خصومنا اليوم؟ بل: ماذا نريد أن يكون متاحا لخصومنا عندما يصبحون هم السلطة غدا؟ هذه هي لحظة النضج الديمقراطي. أن تكتب قواعد قد تكرهها اليوم لأنك تعرف أنك قد تحتاجها غدا.

ربما لهذا السبب يحمل انتخاب أندراس باكا بعدا أدبيا يكاد يكون أكبر من السياسة. رجل أبعدته السلطة من أعلى مؤسسة قضائية. يمر الزمن. تتغير الخريطة السياسية. ينهار ميزان قديم. ثم يعود الرجل نفسه إلى قمة الدولة. ليس حاملا ملف انتقام. بل يحمل سيرة. والسيرة، في السياسة، قد تكون أقوى من الخطاب. فالذين حكموا بالأوامر يرحلون. أما الذين قاوموا باسم مبدأ فقد يتحولون، بعد عقود، إلى ذاكرة وطنية. وهنا يبدو التاريخ كأنه كاتب روسي عجوز يجلس في زاوية مظلمة، يراقب الشخصيات وهي تدخل وتخرج من الرواية، ثم يبتسم لأنه يعرف شيئا لا تعرفه الشخصيات: لا أحد يملك الفصل الأخير. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن سيكون من السهل تحويل انتخاب باكا إلى انتصار رمزي على أوربان. لكن ذلك سيكون أقل من المطلوب. المطلوب ليس الانتقام من أوربان. المطلوب تجاوز عصر أوربان. والفرق بين الاثنين شاسع. الانتقام ينظر إلى الخلف. أما دولة القانون فتنظر إلى الأمام. إذا نجحت المجر في بناء مؤسسات تستطيع أن تحمي حتى خصوم السلطة الجديدة، فسيكون انتخاب باكا أكثر من رمز. سيكون بداية ثقافة سياسية جديدة. أما إذا تحولت إعادة بناء الدولة إلى عملية تطهير مضادة، فإن التاريخ سيعيد نفسه بوجه آخر. وحينها لن يكون القاضي قد عاد. سيكون فقط قد تغير اتجاه الكرسي.
أوروبا تحتاج إلى مجر تستطيع أن تعيش بعد أوربان. وهذا فرق هائل. لأن القارة لا تحتاج إلى انتصار حزب على حزب بقدر ما تحتاج إلى عودة المؤسسات إلى مكانها الطبيعي. دولة لا يخاف فيها القاضي من الحكومة. وحكومة لا تخاف من المحكمة لأنها تحترمها. ومعارضة لا تخشى أن تتحول إلى عدو للدولة. وأغلبية برلمانية تعرف أن امتلاك الثلثين لا يعني امتلاك الحقيقة. إذا استطاعت المجر أن تصل إلى هذا المستوى، فإن انتخاب أندراس باكا سيصبح أكثر من حدث سياسي. سيصبح لحظة رمزية في تاريخ أوروبي طويل، حيث تتعلم الدول، مرة بعد مرة، أن الديمقراطية لا تختبر عندما يكون أصدقاؤك في السلطة. إنها تختبر عندما يكون خصومك هم الذين يملكونها. ربما لم يكن أكثر ما أزعج النظام القديم أن يعارضه قاض. بل أن ذلك القاضي بقي واقفا في الذاكرة. فالسلطة تستطيع إقالة موظف. لكنها لا تستطيع إقالة معنى. يمكنها تغيير المحكمة. لكنها لا تستطيع تغيير السؤال الذي طرحه القاضي. يمكنها تقصير ولاية رئيس. لكنها لا تستطيع تقصير ذاكرة الشعب. وفي السياسة، قد يكون هذا هو أقسى أنواع الهزيمة: أن يعود الشخص الذي ظننت أنك أخرجته من التاريخ، لا لينتقم منك، وإنما ليجلس في المكان نفسه الذي كنت تظن أنه لن يراه أبدا. أندراس باكا ليس بالضرورة نهاية عصر أوربان. ولا ينبغي أن يكون. لكنه قد يكون رمزا لبداية سؤال جديد في المجر: هل تستطيع دولة خرجت من قبضة السلطة أن تتعلم ألا تصبح قبضة جديدة؟ إذا استطاعت، فإن الرجل الذي أبعد من المحكمة لن يكون قد عاد إلى القمة فقط. سيكون قد عاد ومعه شيء أكبر من المنصب: فكرة أن القانون لا ينتصر عندما يهزم خصومه، بل عندما يصبح أقوى من الذين انتصروا باسمه.
📲 Partager sur WhatsApp