رحلة في رحاب الزوايا والبيعة والوفاء… من وادي الذهب والسمارة إلى فاس
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست الهبة المولوية شيئا يسافر من يد إلى يد، ولا عطية تعبر المسافات كي تبلغ مقاما ثم تستقر. في بعض الأشياء، تكون الطريق هي المقصود، ويكون الوصول وجها آخر من وجوه الرحيل. ولعل هذه الهبة، وهي تحمل معنى الوفاء في ذكرى رحيل الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، تشبه تلك القافلة الخفية التي تحدّث عنها أهل الإشارة، لا يعرف القادمون منها ما الذي تحمله حقا، لأنّها تحمل ما هو أبعد من الشيء: تحمل سرّ الصلة بين الأرض ومن سكنها، وبين الإسم وصاحبه، وبين الملك والذكرى، وبين المغرب ونفسه. من وادي الذهب والسمارة، حيث الصحراء لا تبدو أرضا بقدر ما تبدو كتابا مفتوحا على أول الحكاية، تمتد يد المعنى نحو الشمال، فتتوالى الجهات كما تتوالى مقامات السالك في سفر طويل لا يقاس بالمسافة. هناك، في الصحراء، تقيم البيعة في قلب الرمل. وهنا، في الزاوية، يقيم الرمل في قلب الذاكرة. وبينهما سر لا يحتاج إلى تفسير: المغرب واحد، وإن تبدلت الوجوه والأفق والطرقات.
خمس لجان ملكية تمضي في ربوع المملكة، وفي اللجنة الرابعة التي يترأسها السيد قيس بنيحي، يصبح الطريق نفسه جزءا من الرسالة. اثنتا عشرة محطة، اثنتا عشرة عتبة، اثنتا عشرة نافذة يطل منها المغرب على نفسه: الزاوية العلاوية بالحسيمة، سيدي محمد أمزيان بالناظور، الزاوية البودشيشية ببركان، سيدي يحيى بن يونس بوجدة، سيدي عزوز بتازة، سيدي الحسن اليوسي وسيدي علي بوسرغين بصفرو، الزاوية الدرقاوية ومولاي بوشتى الخمار بتاونات، ثم فاس بثلاثة مقامات: مولاي إدريس الأزهر، الزاوية التجانية، ومولاي عبد الله. اثنتا عشرة محطة، ولكن من يعرف سر العدد يعلم أنّ الكثرة قد تكون اسما آخر للوحدة. كان ابن عربي يرى أن الحقائق لا تتجلى في صورة واحدة، وأنّ القلب كلّما اتسع صار قابلا لصور لا يحصيها العقل. وربّما كان المغرب من تلك القلوب التي لم تكتف بصورة واحدة للروح؛ فكان له الفقيه والصوفي، والعالم والولي، والمدرسة والزاوية، والكتاب والمقام، وكل واحد منهم مرآة، وكل مرآة لا تكشف إلا وجها من وجه الحقيقة. لهذا لا تبدو الزاوية المغربية في هذه الرحلة بناء من حجر. إنّها بناء من الزمن. حجارة قديمة، نعم، ولكن بين حجر وحجر نفس شيخ، وخطوة مريد، ويد فقير، وصوت قارئ، ودمعة أم، ودعاء مسافر. إنّها الأمكنة التي لم تكن تغلق أبوابها حين كان الليل يشتد، لأنّ بعض الأبواب في المغرب لم تكن تفتح على الخارج، بل تفتح على الداخل.
في الحسيمة، عند الزاوية العلاوية، يبدأ السفر من البحر. البحر نفسه يبدو كأنّه مريد قديم، كلّما وصل إلى الشاطئ عاد، وكلّما عاد حمل معه خبرا من المجهول. هنا لا تكون الزاوية منفصلة عن الجبل ولا عن البحر، بل تبدو كأنّها نقطة بين عالمين: عالم يمسك بالأرض وعالم يحدق في السماء. ومن الحسيمة إلى الناظور، عند سيدي محمد أمزيان، يتقدم الإسم في هيئة ذاكرة. والإسم في المغرب ليس مجرد علامة على قبر؛ الإسم باب، وما وراء الباب سيرة، وما وراء السيرة أثر، وما وراء الأثر وطن. ثم بركان، حيث الزاوية البودشيشية، في فضاء يبدو فيه الذكر كالماء: لا يراه العابر وهو ينزل إلى أعماق النفس، لكنه يترك فيها مجراه. هنا تتذكر الروح المغربية أن الطريق ليس في كثرة الخطى، بل في معرفة إلى أين تمضي الخطوة. ثم وجدة، عند سيدي يحيى بن يونس. الشرق هنا لا يبدو نهاية الخريطة، بل بدايتها الأخرى. المدن، في خرائط الصوفية، لا تقع على الأرض فقط؛ بعضها يقع في القلب. وربما كانت وجدة من المدن التي تعلم العابر أن الحدود شيء تضعه الخرائط، أما الروح فلا تعرف إلا الوصل.
ثم تازة، وسيدي عزوز. هناك، ينبغي للطريق أن يصمت. فبعض المقامات لا تحتمل الكلام الكثير. يكفي أن تقف، وأن تترك المكان يتفحصك. فالزاوية أحيانا لا تسأل: من أنت؟ بل تسأل: ماذا بقي منك حين تضع اسمك جانبا؟ ثم صفرو، حيث يطل سيدي الحسن اليوسي من وراء القرون. يا له من اسم لا يشيخ. كان اليوسي من أولئك الذين جعلوا العلم رحلة داخل الرحلة، فصار الكتاب عنده طريقا، وصارت المناظرة كشفا، وصار السؤال بابا لا جدارا. وفي حضرة أمثال هؤلاء، يشعر المرء أن المغرب القديم لم يكن بلدا ينام على ماضيه، بل كان ماضيا يقظا يربي مستقبله. ويأتي سيدي علي بوسرغين، فتكتمل في صفرو ثنائية عجيبة: عالم تحفظه الكتب، وولي تحفظه الذاكرة. وكأن المدينة أرادت أن تقول إن للعلم ضوءه، وللروح ظلها، وإن الإنسان لا يكتمل إلا إذا مشى بين الاثنين. ثم تاونات. الزاوية الدرقاوية، ومولاي بوشتى الخمار. هنا يعود المغرب إلى واحد من أسراره القديمة: التربية. فالطرق الصوفية، حين كانت في صفائها الأول، لم تكن تبحث عن مريد يكثر العدد، بل عن إنسان يقل فيه الضجيج. وكان الشيخ الحقيقي لا يملأ الطريق بالاتباع، بل يفرغه من الأوهام. الدرقاوي يمر من هنا، فيترك في الذاكرة رائحة الطريق الطويل، ومولاي بوشتى الخمار يبقى في مقامه كأن الزمن نفسه جلس إلى جواره، ووضع عصاه، ونام.

تازة، وسيدي عزوز
ثم فاس. وهنا تتغير اللغة. لأن فاس ليست مدينة تدخلها، بل مدينة تدخل فيك. حين تصل إليها، تشعر أن الأزقة لا تلتف حول البيوت، بل حول سر قديم. وأن الأبواب الخشبية ليست أبوابا، وإنما أسئلة. وأن القباب لا ترتفع فوق الأرض، بل فوق طبقات من الدعاء. في رحاب مولاي إدريس الأزهر، يستيقظ معنى التأسيس. هنا يمر المغرب من لحظة إلى لحظة، ومن رجل إلى دولة، ومن دولة إلى ذاكرة. وتصبح فاس أشبه بقلب وضع فيه التاريخ يده ثم قال له: احفظ. ثم الزاوية التجانية. وهنا يبدو الطريق كأنه فقد حدوده. فالشيخ أحمد التجاني، الذي ارتبط بفاس، لم يترك المدينة خلفه حين امتد أثره إلى إفريقيا؛ كأن فاس نفسها كانت زاوية لها جناحان، أحدهما في المغرب والآخر في القارة، وأن الروح حين تكون صادقة لا تعرف الجغرافيا إلا بوصفها وهما صغيرا. وفي هذا المقام يمكن أن نستعيد معنى صوفيا قديما: ليس السفر أن تترك مكانا إلى مكان، بل أن تترك صورة منك لتولد صورة أخرى. ثم مولاي عبد الله. المحطة الأخيرة في البرنامج.
لكن الطرق التي تعرف أهلها لا تنتهي عند آخر محطة. فكل مقام يفتح مقاما آخر، وكل اسم يقود إلى اسم، وكل دعاء يترك وراءه دعاء. وربما لهذا لا يشعر المسافر في المغرب أنه انتهى؛ لأن البلاد نفسها لا تنتهي. إنها تواصل الكتابة في الحجر، وفي الماء، وفي أسماء الأولياء، وفي سيرة العلماء، وفي ذاكرة الملوك. وهنا يعود معنى الهبة المولوية. ما الذي يصل فعلا؟ هل تصل الهبة إلى الزاوية؟ أم تصل الزاوية إلى الهبة؟ أم أن الاثنين يلتقيان في معنى ثالث لا اسم له؟ في لغة أهل التصوف، كانت الأشياء أحيانا تتجاوز صورتها. والهدية قد تكون حجابا لمعنى أكبر، والطريق قد يكون سترا للوصول، والاسم قد يكون أثرا لشيء لا يرى. ولعل الهبة المولوية من هذا القبيل. هي عطاء، نعم. لكنّها أيضا تذكير. تذكير بأن الذاكرة ليست قبرا للماضي، بل بابا للمستقبل. وتذكير بأن العرش المغربي لم يكن عبر تاريخه منفصلا عن المجال الروحي والعلمي للمملكة، وأن صلة السلاطين والملوك بالزوايا والعلماء والمقامات جزء من تاريخ طويل تتغير صوره ولا ينقطع معناه.
من السلاطين العلويين الذين اعتنوا بالمقامات والزوايا، إلى محمد الخامس، طيب الله ثراه، إلى الحسن الثاني، طيب الله ثراه، ثم إلى عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يظل خيط الرعاية والعناية بالذاكرة الدينية المغربية ممتدا، لا كحكاية جامدة، بل كحركة مستمرة في الزمن. وفي ذكرى الحسن الثاني، يصبح الحضور أكثر عمقا. فالراحل لا يحضر بجسده. يحضر بما تركه. يحضر في الذاكرة. في الدولة. في الأمكنة التي تستعيد اسمه بالدعاء. وفي تلك اللحظة التي ترتفع فيها الأيدي إلى السماء، يصبح الماضي حاضرا بطريقة لا يستطيع المؤرخ وحده تفسيرها. الحسن الثاني، طيب الله ثراه، ليس في هذه الرحلة مجرد اسم في مناسبة. إنه جزء من معنى الوفاء. ومحمد السادس، حفظه الله، ليس مجرد امتداد زمني للملك الراحل. إنه حاضر العهد. وبين الراحل والحاضر، يمشي المغرب. يمشي كما يمشي الصوفي في طريقه: لا يقطع المسافة فقط، بل يتهذب بها.
وهنا تكتسب مهمة السيد قيس بنيحي، رئيس اللجنة الرابعة، معناها الأكثر دلالة. إنه لا يحمل هبة فحسب. يحمل رسالة. ويعبر طريقا كتبت عليه أسماء كثيرة. ويطرق أبوابا شهدت على قرون. ويصل بين ذاكرة الملك وذاكرة المكان. وقد يبدو المشهد، لمن يراه من الخارج، مجرد مراسم تسليم. لكن من يصغي إلى ما وراء الصورة، يسمع شيئا آخر. يسمع المغرب وهو يتذكر نفسه. اثنتا عشرة محطة، من الحسيمة إلى فاس. اثنتا عشرة عتبة في جسد وطن واحد. وفي كل عتبة شيخ. وفي كل شيخ أثر. وفي كل أثر وطن. حتى إذا بلغ الطريق فاس، بدا كأنه عاد إلى نفسه. هناك، حيث يجلس التاريخ في الظل، وحيث تضع المدينة يدها على قلبها كلما مر اسم من أسماء أوليائها، ندرك أن المغرب ليس فقط ما نراه. المغرب أيضا ما لا نراه. ما يسكن بين الأذان والصمت. بين الكتاب والدعاء. بين المقام والذاكرة. بين الصحراء والمدينة. بين البيعة والملك. بين الموت والخلود. وربما كان هذا هو سر الهبة. إنها تأتي في ظاهرها لتكرم الذاكرة، لكنها في باطنها تقول إن الذاكرة نفسها ما زالت حية.
وإذا كان ابن عربي قد رأى العالم مرايا تتجلى فيها المعاني، فإن المغرب في هذه الرحلة يبدو مرآة كبيرة: كل زاوية فيها وجه، وكل ضريح صفحة، وكل مدينة قلب، وكل طريق خيط من نور. من وادي الذهب والسمارة إلى فاس. من الرمل إلى الحجر. من الصحراء إلى الزاوية. من الشيخ إلى التلميذ. من الملك الراحل إلى الملك الحاضر. من الذاكرة إلى المستقبل. هكذا تمضي الهبة المولوية. لا كشيء يعبر الطريق. بل كمعنى. وكأن المغرب كله، في تلك اللحظة، يرفع يده إلى السماء ويقول: ما دام العهد محفوظا، فلا شيء يموت. وما دام الوطن يتذكر، فلا تغيب الأسماء. وما دام الدعاء يصعد من الزوايا، يبقى للتاريخ قلب. ويبقى للمغرب سره. ذلك السر الذي لا يكتب كله بالحبر. بعضه يكتب بالنور.
📲 Partager sur WhatsApp