رسالة تهنئة للأستاذ البروفيسور محمد بلملكي: بقلم زكية لعروسي, جريدة الورقاء-باريس
ليس كل تكريم يعلَّق على الصدور ميدالية، فبعض الميداليات تعلَّق في الذاكرة، وبعضها يعلَّق في وجدان الناس، وبعضها الآخر يجيء من بعيد، من وراء البحار، ليقول لوطن أكمله: إن فيكم قامات تستحق أن يُنصت إليها العالم. من هنا، وباسمـي وباسم جريدة الورقاء، أحيّي بكل اعتزاز التكريم الدولي الذي حظي به الأستاذ البروفيسور محمد بلملكي في المملكة المتحدة، وأرفع له، من هذا المنبر، أصدق عبارات التهنئة والتقدير. وما أسعدني أن أكتب عنه اليوم، لا لأن مناسبة التكريم تفرض الكتابة، وإنّما لأنّني عرفت فيه، عن قرب، شيئا لا تمنحه الشهادات ولا تُثبته الألقاب: مهنية تسكنها الأخلاق، وإنسانية تمشي على قدمين، وتواضعا لا يحتاج إلى شاهد.
لقد لمستُ في تجربتي معه أنّ المهنية عنده ليست بدلة رسمية تُرتدى في المناسبات، ولا لغة باردة تعلَّق على جدران المكاتب؛ إنّها طبع راسخ، وضمير يقظ، ودقة تنحني أمامها التفاصيل. أما إنسانيته، فشيء آخر؛ إنّها تلك المساحة الخفية التي تجعل الإنسان يشعر، في حضرة رجل كبير، أنّه ليس صغيرا. ولعل أجمل ما في القامات الحقيقية أنّها لا تحتاج إلى أن تقف على أطراف أصابعها كي تبدو طويلة. والبروفيسور بلملكي واحد من أولئك الذين يمشون في الحياة بهدوء الأشجار الكبيرة؛ لا يرفعون أصواتهم، لأنّ ظلالهم تتحدث عنهم.
هو ابن المنطقة الشرقية المغربية، ابن تلك الجغرافيا التي تبدو في الخريطة كأنّها هامش، بينما هي في ذاكرة الوطن متن عريق. وابن فجيج، تلك الواحة التي ترك النخيل فيها جذوره في التراب، وترك أبناؤها جذورهم في العلم والمعرفة. فجيج ليست مجرد واحة تحرسها النخيل من قسوة الصحراء؛ إنّها واحة أخرى من العقول، خرجت منها كفاءات وقامات علمية وأسماء حملت معها رائحة الطين الأول، وذاكرة الواحات، وصلابة الذين تعلّموا من النخلة أنّ الارتفاع لا يكون إلا بعد أن تضرب الجذور عميقا في الأرض. ولذلك لا أرى في هذا التكريم تكريما لشخص واحد فقط.
إنه، في بعض معانيه، تحية لفجيج، وللمنطقة الشرقية، وللمغرب الذي يصدّر إلى العالم أبناءه كما تصدّر النخلة ثمرها: مختلفين في مذاقهم، متحدين في أصلهم. وحين يلمع اسم مغربي في فضاء دولي، فإن الوطن لا يحتاج إلى كثير من الكلام. يكفي أن تضيء قامة واحدة نافذة في مكان بعيد، حتى نرى من خلالها وجه المغرب كاملا. المغرب الذي لا يختصره جغرافيا، ولا تحدّه صورة واحدة؛ المغرب الذي يخرج من القرى والواحات والمدن والجبال، ثم يعبر الحدود حاملا معه شيئا من روحه الأولى.
وفي الأستاذ محمد بلملكي، يلتقي العالِم بالإنسان، وتلتقي الكفاءة بالتواضع، ويلتقي المجد المهني بذلك الخُلق الذي يجعل صاحبه أكبر كلما تواضع. وهذه، في تقديري، هي القيمة الأجمل في أي تكريم: أن يكون وراء الميدالية إنسان يستحقها. فكم من صدر حمل وساما ولم يحمل صاحبه في القلوب أثرا، وكم من رجلٍ لم يحتج إلى وسام كي يكون مكرّما. أمّا أن يأتي التكريم من المملكة المتحدة، وفي فضاء دولي، فهو شهادة أخرى على أن الكفاءة المغربية حين تجد طريقها إلى الضوء لا تحتاج إلى من يعرّف بها؛ فهي تتحدث بلغتها العالمية، وتترك أثرها حيثما حلّت.
لهذا أقول للأستاذ محمد بلملكي: مبارك لك التكريم، ومبارك لنا بك. مبارك لك لأنك حصدت ثمرة مسيرة، ومبارك لنا لأنّ واحدا من أبناء هذا الوطن، ومن أبناء تلك الواحة العريقة، صعد اسمه إلى منصة دولية وهو يحمل في صدره شيئا من تراب فجيج، وشيئا من شمس وجدة، وشيئا كبيرا من المغرب. وأقول لك، من القلب، إنّني حين أكتب عنك اليوم، لا أكتب عن ميدالية فحسب، بل أكتب عن سيرة إنسانية ومهنية رأيت بعض فصولها ولمست بعض جمالها. ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال عن رجل بلغ من العلم ما بلغ، ثم ظل متواضعا، هو أن العلم لم يأخذه من الإنسان، بل أعاده إليه أكثر إنسانية.
من فجيج إلى المملكة المتحدة، ومن ظلال النخيل إلى أضواء التكريم، تمتد سيرة رجل مغربي تقول لنا، بهدوء يشبه اليقين: إن الوطن لا يسافر دائما بجواز سفر؛ أحيانا يسافر في هيئة إنسان. ومحمد بلملكي، في هذه اللحظة، هو أحد وجوه المغرب التي يحق لنا أن نفتخر بها. هنيئا لك، وهنيئا للمغرب بك. وباسمي وباسم جريدة الورقاء، أحيّي هذا التكريم، وأحيّي معه كل قامة مغربية تجعل من العلم رسالة، ومن المهنية أخلاقا، ومن التواضع جمالا، ومن النجاح جسرا يعبر به الوطن إلى العالم.
📲 Partager sur WhatsApp