بقلم الصحافي حميري البشير, كوبنهاكن-الدنمارك
في خضمّ النقاش الدائر حول تماسك الأسرة في المجتمعات الإسلامية، يروَّج أحيانا لفكرة أننا بمنأى عن مظاهر التفكك الأسري والعقوق، بحكم تمسّكنا بالقيم الإسلامية. غير أن هذه الرؤية، وإن حملت جانبا من الحقيقة، فإنها تغفل عنصرا جوهريا في معادلة بناء الإنسان والمجتمع، وهو الدور المحوري للمرأة، وبالأخص الأم.
لقد قيل قديما: “الأم مدرسة إن أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق”، وهي مقولة تختزل عمق التأثير الذي تمارسه المرأة في تشكيل وعي الأجيال وصياغة شخصياتهم. فالأم ليست فقط راعية داخل البيت، بل هي مهندسة القيم، وبانية العقول، وصانعة التوازن النفسي والاجتماعي للأبناء. ومن هنا، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل ما زالت المرأة، في واقعنا المعاصر، قادرة على أداء هذا الدور الحيوي في إعداد جيل قوي، قادر على مواجهة التحديات، ومنافسة المحيطين الإقليمي والدولي؟
في السياق المغربي، تبدو الإجابة أكثر تعقيدا، لكنها تحمل في طياتها الكثير من الأمل. فالمرأة المغربية أثبتت، في مختلف المجالات، قدرتها على ترسيخ مكانتها داخل المجتمع، ولم تعد حبيسة الأدوار التقليدية، بل أصبحت فاعلا أساسيا في التنمية، وشريكا في تدبير الشأن العام، ومدافعة عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وتبرز هذه الدينامية بوضوح في فضاءات الفكر والإعلام، خاصة داخل الجاليات المغربية في الخارج، حيث يشكّل منبر “الورقاء” نموذجا حيا لتجربة ثقافية راقية، تقودها أقلام نسائية جريئة ومبدعة، تساهم في إثراء النقاش الأكاديمي، وتطرح قضايا تهم المغاربة أينما وجدوا. ومن قلب باريس، عاصمة الأنوار، التي طالما كانت رمزا للتنوع الثقافي والتفاعل الحضاري، يطلّ هذا المنبر ليجمع شتات الفكر المغربي في المهجر، ويوحّد أصواته
.



إن”الورقاء” ليس مجرد موقع إعلامي، بل هو فضاء فكري يعكس نضجا في الطرح، ووعيا جماعيا بضرورة التغيير الإيجابي. ويزداد هذا المعنى عمقا حين نعلم أن من تقوده امرأة عصامية تنحدر من منطقة تافوغالت، تلك الأرض التي احتضنت رجال المقاومة، لكنها لا تزال تعاني من التهميش والإقصاء، رغم ما تزخر به من مؤهلات طبيعية وسياحية واعدة.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال نماذج مغربية ناجحة مثل فوزي لقجع، الذي استطاع أن يفرض اسمه بقوة في مجال التدبير المالي والرياضي، خاصة في كرة القدم الوطنية. غير أن آمال ساكنة تافوغالت تظل معلّقة على التفاتة حقيقية تعيد الاعتبار لهذه المنطقة، وتخرجها من دائرة التهميش إلى فضاء التنمية المستحقة. إن المقارنة مع مدن مثل إفران، التي أصبحت نموذجا للتنمية السياحية، تدفعنا إلى التساؤل: لماذا لا تحظى تافوغالت بنفس الاهتمام، رغم تاريخها العريق وإمكاناتها الكبيرة؟ الجواب يكمن في الحاجة إلى إرادة جماعية، تتكامل فيها جهود الدولة مع مبادرات المجتمع المدني، وأصوات المثقفين والإعلاميين.
ومن هنا، تبرز مسؤولية منابر مثل “الورقاء”، التي تضم نخبة من المبدعين والمفكرين، نساء ورجالا، في الدفاع عن قضايا مناطقهم، ونقل معاناة ساكنتها إلى دوائر القرار. فالكلمة الصادقة قادرة على إحداث التغيير، والإعلام الواعي يمكن أن يكون جسرا نحو التنمية. إن تافوغالت، وجبال بني يزناسن، ليست مجرد جغرافيا، بل هي ذاكرة وطنية، ورمز للنضال، ومخزون إنساني وثقافي يجب صونه وتثمينه. وردّ الاعتبار لها واجب وطني، يتحقق عبر مشاريع تنموية حقيقية، تشمل مختلف المجالات، وتُعيد للإنسان كرامته، وللمكان قيمته. وفي يبقى الأمل معقودا على جيل جديد من المبدعين، يحمل وعيا نقديا، وإرادة صلبة، وإيمانا بأن التغيير ممكن. جيل يدرك أن بناء الوطن يبدأ من بناء الإنسان، وأن المرأة، كما كانت دائما، ستظل حجر الأساس في هذه المسيرة.
📲 Partager sur WhatsApp