بقلم رئيسة التحرير زكية لعروسي, باريس
في الأمثال المغربية القديمة، يقول الناس: “الريح اللي يجيب الغبار، سدّ ليها البيبان.” ولم يكن الأجداد يقصدون الغبار وحده، بل تلك الأرواح الثقيلة التي تتسلل إلى الأمم متخفية في هيئة شعارات كبرى، ثم لا تترك خلفها سوى التعب: تعب المدن، تعب الإنسان، وتعب التاريخ نفسه. منذ عقود، والعالم العربي يعيش على إيقاع شرق مشتعل، شرق كلما حاول النهوض عاد ليسقط داخل الدوامة ذاتها: الحروب، المحاور، الانقسامات، والهويات القاتلة التي تأكل أصحابها قبل خصومهم. أينما أدرنا وجهنا، وجدت اللون نفسه يتكرر بإصرار مرعب: الرمادي. رماد بغداد التي أنهكتها الحروب حتى بدا الزمن فيها كشيخ فقد ذاكرته، ورماد دمشق التي تحولت من قصيدة ياسمين إلى استعارة كبرى للألم، ورماد غزة وصنعاء ومدن كثيرة فقدت أسماءها تحت ثقل الدخان والجوع والانتظار. وكأن هذه الجغرافيا كُتب عليها أن تعيش دائما على حافة الانفجار، بينما العالم من حولها يركض نحو المستقبل بلا التفات.
المأساة الحقيقية ليست في الحروب وحدها، بل في العقل السياسي الذي أدمنها. هناك أنظمة في هذا الشرق لم تعد تعرف كيف تعيش خارج منطق “المعركة الدائمة”. تحتاج دائما إلى خصم، إلى توتر، إلى تعبئة مستمرة، لأن الاستقرار بالنسبة إليها ليس مشروعا للحياة… بل تهديد لفكرة بقائها. وهكذا تتحول السياسة من فنّ بناء الإنسان إلى فنّ إدارة الخوف. في هذا المناخ المرهق، يصبح التحالف مع القوى المتوترة عالميًا جزءًا من عقيدة البقاء. فتنشأ محاور لا تبني اقتصادا بقدر ما تبني اصطفافات، ولا تنتج التنمية بقدر ما تنتج الارتياب والعزلة، حتى تبدو المنطقة كلها كأنها تعيش داخل غرفة مغلقة لا يدخلها الهواء. والتاريخ لا يرحم الدول التي تطيل الإقامة داخل الخندق. فالدولة التي تعيش طويلا على إيقاع الطوارئ، تفقد تدريجيا قدرتها على رؤية شعبها. يتضخم فيها الخطاب الأمني، بينما تتراجع الأسئلة الحقيقية: كيف نبني مدرسة؟ كيف نصنع جامعة؟ كيف نحفظ كرامة المواطن؟ كيف نجعل الوطن مكانا للحياة لا مجرد جبهة مفتوحة؟
وهناك، عند خاصرة الجزيرة العربية، حيث تتكئ الجبال على ذاكرة البحر، يقف اليمن لا كدولة أنهكتها الحروب فحسب، بل كأقدم صلاة مكسورة في تاريخ الشرق. اليمن، منبع البخور، ومهد الأساطير الأولى، والأرض التي عبرت منها قوافل الحضارات نحو العالم، صار اليوم أشبه بمدينة تُطفئ نفسها ببطء تحت رماد الحرب. في صنعاء القديمة، تبدو النوافذ المزخرفة كعيون عجوز تعبت من انتظار السلام، وفي تعز وعدن والحديدة، تتجاور رائحة الملح والبارود، كأن البحر نفسه صار شاهدا على انكسار الإنسان العربي. هنا لم صارت الحرب مناخا دائما، يتنفسه الناس كما يتنفسون الغبار. غير أن المأساة الأشد قسوة ليست في الخراب وحده، بل في اعتياد العالم عليه. صار سقوط المدن يمرّ على الشاشات كمرور الغيوم البعيدة، وصار موت الحضارة خبرا سريعا بين فقرتين من الضجيج العالمي. كأن الشرق، بكل تاريخه وثقله الروحي، تحوّل إلى هامش بارد في دفتر القوى الكبرى. اليمن استعارة موجعة لحضارة تنزف من داخلها. فمن هذه الأرض خرجت أولى الحكايات عن الملكة واللبان والطرق القديمة، ومنها أيضا يرتفع اليوم دخان البنادق، كأن التاريخ نفسه دخل في صراع مع ذاكرته.
وفي شيء يشبه عوالم دوستويفسكي، يبدو الإنسان اليمني معلقا بين توق غامض إلى الخلاص، وانجذاب مأساوي نحو الهاوية. روح مثقلة بالأحلام الكبرى والهزائم المتراكمة، تبحث عن المجد وسط الركام، بينما تستنزف نفسها في دوامة صراعات لا تنتهي. وكأن الشرق كله يسير ببطء فوق حافة تعب تاريخي طويل، لا يسقط تماما، ولا ينجو تماما.
أما المغرب، فقد اختار – بحكم التاريخ والجغرافيا وذاكرة الدولة – طريقا مختلفا. ليس طريق الكمال، فالدول لا تكون كاملة، بل طريق الحكمة البطيئة. المغرب فهم مبكرا أن الدول التي تصرخ كثيرا، تتعب سريعا. وأن الشرعية الحقيقية لا تُبنى بالخطب الحماسية، بل بالاستمرارية، بالمؤسسات، وبالقدرة على التوازن وسط عالم مختل. ولهذا لم يجعل المغرب من العداء مشروع هوية، ولا من التوتر عقيدة حكم. اختار الدبلوماسية الهادئة، والانفتاح الاقتصادي، والعمق الإفريقي، والعلاقات المتعددة، لأنه أدرك أن العالم الحديث لا يحترم الدول التي تعيش داخل الخندق، بل الدول التي تعرف كيف تبني الجسور.

في الثقافة المغربية حكمة عميقة تقول: “اللي حرقو اللبن، ينفخ فالرايب.” والمغرب، الذي رأى مصائر دول كثيرة سقطت تحت ثقل المغامرات الإيديولوجية، صار أكثر ميلا إلى الواقعية، وأكثر اقتناعا بأن الوطنية ليست ضجيجا عسكريا دائما، بل قدرة على حماية الوطن من الفوضى. المفارقة المؤلمة أن شعوب المنطقة كلها تريد الشيء نفسه: العيش بكرامة، تعليما جيدا، اقتصادا قويا، ومستقبلا لا تُحدده نشرات الأخبار العسكرية. لكن الشعوب غالبا تدفع ثمن الحسابات الجيوسياسية التي لا تصنعها.
ولهذا فإن النقد الحقيقي اليوم لا ينبغي أن يكون موجّها ضد الشعوب، بل ضد العقليات السياسية التي لا ترى في الدولة سوى ساحة مواجهة، وضد النخب التي تعتقد أن التاريخ يمكن أن يدار إلى الأبد بمنطق الحصار والتعبئة. العالم يتغير بسرعة مذهلة.
الاقتصاد صار أقوى من المدافع، والمعرفة أخطر من الجيوش، والذكاء الدبلوماسي أهم من الصراخ الإيديولوجي. ومن لا يفهم هذه التحولات، سيجد نفسه خارج الزمن ولو امتلك ألف خطاب عن “السيادة” و”المقاومة”. المغرب اليوم لا يقدم نفسه كنموذج مثالي، بل كنموذج لدولة تحاول أن تبقى واقفة وسط عاصفة إقليمية هائلة. وهذا في حد ذاته إنجاز حضاري في منطقة كثيرا ما ابتلعت أبناءها.
فحين يختار الشرق أحيانا لغة النار، يحاول المغرب أن يتكلم بلغة الدولة. وحين يضيع البعض داخل متاهة المحاور، يحاول أن يحافظ على توازنه كمن يمشي فوق خيط رفيع بين التاريخ والجغرافيا. ربما لهذا يبدو المغرب، في هذا الزمن العربي المرتبك، كأنه بحّار قديم يعرف أن النجاة ليست في تحدي العاصفة بالصراخ…بل في فهم اتجاه الريح.
📲 Partager sur WhatsApp