بقلم زكية لعروسي, باريس
ليست الفرانكفونية في المغرب لغة عابرة مرت فوق البلاد كما تمر الغيوم فوق الجبال. إنها حكاية أعمق من القواميس، وأقدم من نشرات الأخبار، وأذكى من التأويلات السطحية التي تحاول اختزال المغرب في ثنائية اللغة والهوية. فالذين لا يعرفون المغرب يظنون أن الأمم تختار لغاتها كما تختار معاطفها الشتوية، بينما الحقيقة أن اللغات الكبرى تختار أوطانها بعناية، والمغرب كان دائما وطنا مختارا من قبل الحضارات.
منذ قرون، والمغرب لا يعيش داخل حدوده فقط، بل يعيش داخل العالم. كان سلطانه ينظر إلى البحر لا باعتباره نهاية اليابسة، بل بوصفه ممرا للأفكار واللغات والممالك. وحين كانت أوروبا تغرق في حروبها الدينية، كان المغرب يفاوض الملوك، ويرسل السفراء، ويكتب الرسائل بلغة السياسة الرفيعة، مدركا أن العزلة ليست حكمة، بل شكل بطيء من أشكال الانتحار الحضاري. في أرشيف السلاطين المغاربة، لا نجد خوفا من العالم، بل فضولا إمبراطوريا نادرا. كان السلطان مولاي إسماعيل يبعث برسائله إلى لويس الرابع عشر كما يبعث فارس صحراوي برسالة إلى البحر، وكان محمد الثالث يدرك أن الموانئ ليست أبواب تجارة فقط، بل أبواب أفكار أيضا. ثم جاء الملوك العظام الذين فهموا أن المغرب لا يمكنه أن يكون قويا إلا إذا تحدث مع العالم بلغاته كلها، دون أن يفقد صوته الداخلي.
قال المغفور له محمد الخامس ذات زمن مضطرب ” إن المغرب شجرة جذورها في إفريقيا وأغصانها تتنفس هواء أوروبا”.
ولم تكن تلك جملة دبلوماسيةبقر ما كانت عقيدة دولة كاملة. ثم جاء الحسن الثاني، ذلك الملك الذي كان يتحدث الفرنسية كما لو أنها آلة موسيقية مغربية، ففهم مبكرا أن اللغة ليست خيانة للهوية، بل أداة لتوسيعها. كان يعرف أن الأمم الصغيرة تخاف اللغات الأجنبية، أما الأمم العريقة فتروضها كما يروض الفارس حصانه. وهكذا لم تدخل الفرانكفونية إلى المغرب كقوة غازية فقط، بل أعاد المغرب اختراعها داخل تربته الخاصة. فرنسية المغرب ليست فرنسية باريس. إنها لغة عبرت الأسواق القديمة، وشربت الشاي بالنعناع، وسمعت الآذان عند الغروب، ومرت من فاس ومراكش وطنجة والرباط، ثم خرجت من هناك بلكنة المتوسط والصحراء والأندلس.
المغرب لم يكن يوما تلميذا في مدرسة الفرانكفونية، بل كان أحد أساتذتها السّريين. لقد أخذ اللغة الفرنسية من يد التاريخ، ثم غسلها بماء الحضارة المغربية، حتى صارت تحمل رائحة أخرى: رائحة بلد يعرف كيف يعيش بلغات متعددة دون أن يتشقق. وحين يفتح العالم اليوم أبواب المؤسسات الفرانكفونية الكبرى أمام المغرب، فإن الأمر لا يتعلق بمجاملة دبلوماسية، بل باعتراف متأخر بحقيقة قديمة: أن المغرب ليس هامشا في العالم الفرنكوفوني، بل أحد أعمدته الخفية. كيف لا؟ والمغرب هو البلد الذي جعل من العربية شعرا، ومن الأمازيغية ذاكرة حجرية، ومن الحسانية موسيقى رملية، ثم أضاف إلى كل ذلك الفرنسية والإنجليزية والإسبانية دون أن يفقد توازنه الروحي. إنه بلد لا يتحدث اللغات فقط، بل يسكنها.

هنا تكمن عبقرية السياسة الملكية المغربية. فالمملكة لم تختر الانغلاق داخل هوية خائفة، بل اختارت أن تكون قوة حضارية تتحرك في العالم بثقة إمبراطورية ناعمة. ولهذا لم يكن المغرب يوما ضد الغرب، بل ضد الذوبان فيه. ولم يكن ضد الحداثة، بل ضد الحداثة التي تطلب من الشعوب أن تنتحر كي تصبح عصرية. إن الفرانكفونية المغربية ليست تبعية، بل إعادة كتابة للعلاقة بين الجنوب والشمال. المغرب لا يدخل الفضاء الفرنكوفوني من باب الحاجة، بل من باب الندية التاريخية. إنه يدخل باعتباره وريث حضارة عمرها اثنا عشر قرنا، لا باعتباره مستهلكا متأخرا للثقافة الأوروبية.
ولذلك يبدو المشهد اليوم شبه أسطوري: المغرب، الخارج من عمق الصحراء والأندلس وإفريقيا والمتوسط، يجلس داخل قلب واحدة من أكبر المنظومات الإعلامية والثقافية في العالم كصانع معنى جديد. إنها لحظة تتجاوز السياسة. لحظة تقول إن المملكة التي نجت من الزلازل الاستعمارية، ومن تقلبات التاريخ، ومن جنون الجغرافيا، استطاعت أخيرا أن تحول لغات العالم إلى جزء من سيادتها الرمزية. وهكذا يثبت المغرب مرة أخرى أنه ليس دولة تبحث عن مكان داخل العالم، بل عالم كامل يبحث دائما عن لغة جديدة ليحكي نفسه.
📲 Partager sur WhatsApp
La politique royale marocaine refuse de se replier sur une identité défensive. Il agit au contraire comme une puissance civilisationnelle confiante, utilisant une forme de “soft power”. Le Maroc ne s’oppose ni à l’Occident ni à la modernité, mais rejette toute modernité imposant l’effacement des peuples.
La francophonie marocaine n’est pas une soumission, mais une réécriture des rapports Nord-Sud.