المغرب…علم الآثار يواجه مستقبلا غير مؤكّد

بقلم يوسف بوكبوط، عالم آثار – أستاذ التعليم العالي بالمعهد الوطني لعلوم الآثار و التراث (الرباط ـ المغرب)

في الرباط، تجري ثورة هادئة تحت سطح الأرض. عالم الآثار والمؤرخ والأستاذ المغربي يوسف بوكبوط وفرقُه في المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث (INSAP) لا يكتفون باكتشاف حجارة قديمة، بل يكشفون قصص أناس عاشوا في شمال إفريقيا قبلنا بآلاف السنين. طبقة بعد طبقة، يعيد عملهم إحياء الماضي البعيد، مبيّنين كيف كانت أرض المغرب موطنا لمجتمعات نابضة بالحياة منذ آلاف السنين. وقد بدأ العالم يلتفت إلى ذلك، وأخذ تاريخ المغرب الغني أخيرًا مكانه على الساحة العالمية.

في عامي 2024 و2025، أعلن الأستاذ بوكبوط عن اكتشافين أثارا اهتمام علماء الآثار حول العالم. فعند نهر بهت قرب مدينة الخميسات، اكتشف فريقه أقدم وأكبر قرية من العصر الحجري الحديث في إفريقيا، وهي مستوطنة يعود تاريخها إلى أكثر من خمسة آلاف سنة. وفي موقع كاش كوش شمالا، كشفوا عن أقدم قرية من العصر البرونزي في شمال إفريقيا، كانت مأهولة قبل قرون من إبحار التجار الفينيقيين. وسرعان ما حظيت هذه الاكتشافات باعتراف دولي، من كامبريدج إلى ستيلينبوش، ومن المنتدى العالمي لعلم الآثار إلى مؤسسات أكاديمية عبر العالم.

لكن خلف هذه الإنجازات الكبرى، لا تبدو الصورة كلها انتصارا. فبحسب الأستاذ بوكبوط وزملائه، قامت إدارة المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بعرقلة استمرار أعمالهم، عبر وقف تمويل مشاريع طويلة الأمد، مثل مسح 2200 موقع أثري على امتداد وادي درعة. كما جُمِّدت أبحاث مخططة حول أطلال مغمورة بالمياه، ومستوطَنات قديمة، وأصول الإنسان. أما التعاونات الدولية، التي كان من شأنها ربط الاكتشافات المغربية بالعالم، فأصبحت معلّقة في حالة من عدم اليقين.

ويرى المطلعون على هذه الجهود أن العواقب قد تتجاوز مجرد توقّف الأبحاث. فقد يفقد المغرب هذا الزخم الكبير في مجال  علم الآثار عالميا، كما قد تضيع فرصة بناء جسور علمية، وتبادل المعرفة، وتعزيز الثقة مع شركاء دوليين. واليوم، يتصاعد نداء موجَّه إلى الجامعات وعلماء الآثار حول العالم لدعم الأستاذ بوكبوط، وتمكين فرقه من التنقيب والدراسة والاستكشاف بحرية. والأمل بسيط وواضح: أن تُروى قصص المغرب، المدفونة منذ آلاف السنين، لا للمغاربة وحدهم بل للعالم أجمع، وألا تُسكتها البيروقراطية.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “المغرب…علم الآثار يواجه مستقبلا غير مؤكّد

  1. الجميل و المفيد في هذا المقال أنه على شاكلة علم الآثار يكشف عما تزخر أرضما من غنى تاريخي و إنساني و مدى تجدر الحضارة الإنسانية على أرضه. و أمام هذا المكسب العلمي تقف جدران المنع المادي من استكمال الاكتشافات.
    السؤال، هل طغت الرهانات السياسية على الرهان العلمي؟ أم أن الأمر له علاقات بما يعرفه العالم من أزمات و حروب تستنزف كل الموارد المالية و تحرم البحث العلمي من الاستفادة منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *