لسنا شتاتا؟…نحن قلب مغربيّ ينبض في العالم

بقلم زكية لعروسي, باريس

وأنا أتصفّح بعض القراءات في مسائي الباريسيّ البارد، تعثّرت بمقال أو بما يشبه المقال في إحدى المجلات التي تتحدث باسم مغاربة العالم أو الجالية المغربية في الخارج، يستعمل – بخفّة لا تخلو من قسوة – مصطلح «الشتات». توقّفت طويلا عند الكلمة بوصفها فخّا لغويّا منصوبا في منتصف المعنى، كأنّ اللغة أحيانا تخرج سكينا من معطفها البلاغيّ وتطعن الذين لا ينتبهون. كيف نسمح لأنفسنا أن نسمّي الجالية المغربية «شتاتا»؟

أيُّ يد لغوية هذه التي تحوّل ملايين المغاربة المنتشرين في العالم إلى ذرات غبار هاربة من انفجار؟ أيُّ مخيال ثقافيّ هذا الذي يختزل أمّا مغربية توقظ أبناءها عند الفجر في ضواحي باريس، لتطعمهم الخبز المغربيّ المغموس في زيت الذاكرة، ثم ترسلهم إلى المدارس الفرنسية وهي تخفي في صدرها خوفا قديما من ذوبان اللغة… في كلمة: «شتات»؟

الشتات، في المعاجم العربية، ليس كلمة بريئة. في «لسان العرب»، تأتي من الفعل «شتَّ»، أي تفرّق وتبدّد وتباعد. يقال: شتَّ القوم، إذا تفرّقوا حتى انقطعت بينهم الوشائج. والشتات هو التمزّق بعد اجتماع، والانكسار بعد وحدة، والضياع الذي يشبه تناثر رماد بيت أكلته الحرب. وفي «تاج العروس»، يحضر الشتات بوصفه نقيض الانتظام، وضدّ الألفة، وحالة من التبعثر الوجوديّ، كأنّ الكلمة تحمل في جوفها ريحا سوداء تعصف بالانتماء.

حتى في المخيال العربي القديم، لم يكن الشتات مجرّد سفر أو هجرة، بل كان لعنة وجودية. المعرّي، ذلك الكائن الذي كان يرى العالم بعين من رماد، كتب عن التفرّق بوصفه انكسارا للروح قبل الجسد. والجاحظ، في تأملاته عن الأوطان والحنين، لم يعتبر الارتحال نفيا للهوية، بل امتحانا لها. أما كتب التراث، من «شذور الذهب» إلى أخبار الرحّالة والمتصوفة، فقد ميّزت دائما بين «الهجرة» باعتبارها انتقالا واعيا يحمل رسالة أو طلبا أو ضرورة، وبين «الشتات» باعتباره فقدانا للمركز، وانهيارا للمعنى الوطن الجامع. لهذا يبدو استعمال مصطلح «مغاربة الشتات» لوصف الجالية المغربية نوعا من الجور الرمزيّ، بل اختزالا فادحا لكائن إنسانيّ معقّد ومجيد.

الجالية المغربية ليست شتاتا. الشتات جماعة فقدت مركزها الروحيّ والتاريخيّ، بينما المغربيّ في الخارج يحمل المغرب معه كما تحمل السلحفاة بيتها على ظهرها. إنّه لا يغادر المغرب تماما، بل يمدّه في الجغرافيا مثل شجرة زيتون استطالت جذورها حتى عبرت البحار. الجالية ليست جمعيات موسمية تلتقط الصور تحت الأعلام. ولا حفلات شاي فولكلورية. الجالية هي ذلك العامل المغربيّ الذي يخرج في الرابعة صباحا إلى مصانع الضواحي الأوروبية بينما يصدح في هاتفه صوت الملحون أو ناس الغيوان. الجالية هي الأم التي تخيط القفطان في ليل الغربة كأنها ترمّم الوطن بإبرة. هي الطفل الذي يتعلّم الفرنسية في المدرسة، ثم يعود إلى البيت ليخطئ في العربية فتغصّ الأمّ بالدموع كأنّ اللغة سقطت من يدها. هي الأب الذي يواجه العنصرية بابتسامة متعبة، ثم يعلّق صورة الملك والعلم المغربي في صالون صغير تفوح منه رائحة الكمون والحنين.

أيُّ شتات هذا الذي يعلّم أبناءه حبّ الوطن وهم لم يولدوا فيه أصلا؟ أيُّ شتات هذا الذي يموّل القرى، ويبني البيوت، وينعش الاقتصاد، ويحمل صورة المغرب في المطارات، وفي الجامعات، وفي المعارض، وفي المخابز، وفي سيارات الأجرة، وفي أسماء المطاعم، وفي ارتباك اللكنات؟ إنّ الذين يختزلون الجالية في مفهوم «الشتات» ينظرون إليها من أعلى برج لغويّ بارد، ولا يسمعون الضجيج الخافت لحياة المغاربة في المنفى. لا يسمعون صوت امرأة مغربية تنظف مكاتب الشركات الأوروبية وهي تتمتم بآيات الحفظ لأبنائها. لا يرون شابا مغربيا يدافع عن اسمه العربيّ في مدرسة فرنسية كأنّه يحرس آخر قنديل في عاصفة. لا يعرفون أن المغرب الحقيقي لا تسكنه المؤسسات وحدها، بل تسكنه تلك الكائنات الصغيرة التي تتحرك يوميا مثل أسراب النمل النبيل، تبني المعنى بصبر أسطوريّ.

المغرب ليس وزارة فقط. ليس سفارة فقط. ليس مؤسسة فقط. المغرب أيضا ذلك الحنين الذي يفتح النافذة في قلب مغترب كلّما سمع كلمة «الدار البيضاء». المغرب هو الرغيف الساخن في ذاكرة العامل. هو الزليج الذي يلمع فجأة في عين امرأة مهاجرة وهي تمرّ قرب كنيسة أوروبية. هو رعشة الدفوف في الأعراس. هو رائحة النعناع. هو اللهجة التي تنجو من الذوبان بأعجوبة. ثم من قال إن الجغرافيا وحدها تصنع الأوطان؟ ألم يكن المتنبي أكثر حضورا في اللغة من آلاف الذين سكنوا المدن وماتوا دون أثر؟ ألم تكن الأندلس، بعد سقوطها، وطنا كاملا عاش في القصيدة والعود والذاكرة؟

إنّ الجالية المغربية ليست شتاتا، بل امتداد حيّ للمغرب في العالم. إنها الشرايين البعيدة لقلب واحد. وحين نصفها بالشتات، فنحن لا نصفها هي، بل نصف عجزنا عن فهم المعنى الجديد للوطن. الوطن لم يعد فقط قطعة أرض. الوطن صار قدرة غامضة على حمل المكان داخل الروح. والمغربيّ، أينما ذهب، يحمل المغرب كما تحمل نار العشق الأوّل سرَّها القديم في الرماد.

📲 Partager sur WhatsApp

4 thoughts on “لسنا شتاتا؟…نحن قلب مغربيّ ينبض في العالم

  1. كلام في الصميم وتصحيح في الصميم واقفة شامخة في من يستعمل الكلمات من أجل الكلمات لا لمدلولها العلمي واللغوي بل لوضعها في غير مكانها فأصبح نخباء غير دالة عن معناها بل تلعب دور التضليل.
    دمت شامخة 🙏

  2. المغربي في الخارج لم يغادر وطنه كمن يسقط من خريطة، بل حمل المغرب معه: في اللغة، وفي المطبخ، وفي الدعاء، وفي تفاصيل التربية اليومية، وفي ذلك الحنين الصامت الذي يعيش في رائحة النعناع وصوت الأذان ولهجة الأم. لذلك تبدو الكلمة قاسية لأنها تختزل تجربة إنسانية غنية في صورة رماد متناثر

  3. تحليل رصين لمفهوم الشتات و أبعاده. يبقى السؤال المطروح على صاحب المقال، هل الهدف من المقال هوأن يجتمع كل المغاربة في خانة واحدة؟ وهذا له دلالة واحدة هي أن نكون كتلة خاضعة لاتملك حق الرأي الحر في قضايا البلاد. و الأدهى أن تكون الفكرة الثاوية هي أن نكون في حزب واحد وهنا نصبح تحت ديكتاتورية الحزب الوحيد..
    على عكس كل ما يمكن أن يقال عن مغاربة العالم، هم الجالية الأكثر حبا للوطن الأصلي. ولنا في حالات التضامن التي عرفها المغرب عندما ضرب الزلزال منطقة الحوز أوعندما جرفت الفيضانات أجزاء هامة من الأراضي المغربية و كيف تفاعل معها مغاربة العالم من كل أنحاء المعمور و غيرها من المؤشرات الكثير.
    مع الأسف أن هناك أقلاما تعشق التباكي و لا ترى في الصفحة البيضاء إلا نقطة سوداء مهما كانت ضآلتها.

    1. شكرا العزيزة والأستاذة خديجة على التفاعل…إن الحديث عن “الشتات” لا ينبغي أن يفهم باعتباره دعوة لإذابة الاختلافات أو جمع المغاربة في قالب فكري واحد، لأن قوة الجاليات عبر العالم لم تكن يوما في التشابه المطلق، بل في قدرتها على الحفاظ على خيط الانتماء رغم تنوع المواقف والتصورات. فالنبض الوطني يمكن أن يكون واحدا، دون أن يعني ذلك توحيد الآراء أو إخضاع الجميع لمنطق القطيع أو الحزب الواحد. الاختلاف في طرق قراءة قضايا الوطن ليس تهديدا للوطنية، بل دليل حيوية ونضج مجتمعي، لأن المجتمعات القوية تبنى بالتعدد لا بالإجماع المصطنع.وعلى عكس الصورة السوداوية التي يحاول البعض رسمها، أثبت مغاربة العالم -كما أشرت- في أكثر من محطة أنهم من أكثر الجاليات ارتباطا بوطنهم الأم، سواء خلال زلزال الحوز، أو أثناء الفيضانات والكوارث، حيث هبّوا من مختلف بقاع العالم دعماً ماديا ومعنويا وإنسانيا. وهذه المواقف ليست شعارات، بل تعبير عملي عن عمق الانتماء. لذلك، فمن الظلم اختزال مغاربة العالم في بعض الأصوات المختلفة أو تصوير التعدد وكأنه انقسام. فالوطنية ليست تطابقا في الرأي، بل قدرة على الاختلاف دون التخلي عن حب الوطن. وفي هذا الاختلاف تحديدا تكمن القوة والغنى، أما ما يوحد الجميع فهو الإخلاص للمغرب ومصلحته العليا….كان من واجبي من حيث اختصاصي أن أوضح معنى الشتات الي أصبح البعض يستعمله لنعت الجالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *