انتهى عهد للاّ خدّوج أمّ الحقائب الثقيلة

بقلم زكية لعروسي, باريس

بعد للّا فاطمة التي تمثل المرأة المغربية داخل الوطن، تلك المرأة التي كانت ترى العائلة شجرة لا تنتهي جذورها، تأتي للاّ خدّوج كوجه آخر للمغرب…المغرب الذي حمل حقيبته وخرج إلى المنافي الباردة. للاّ خدّوج هي المرأة المغربية في المهجر. هي أمّ الهجرة الكبرى. أمّ الحقائب الثقيلة، وأمّ الانتظار الطويل في المطارات والموانئ، وأمّ الرسائل الصوتية التي كانت تُبكي الأمهات في ليالي الثمانينيات والتسعينيات. كانت للاّ خدّوج تعيش بنصف قلب: نصفه في أوروبا يشتغل، ونصفه الآخر معلّق فوق سطح بيت قديم في المغرب، حيث تجلس أمها قرب الباب تراقب الطريق كل صيف.

كانت تلك المرأة تعبر البحر لا كسائحة، بل كأنها تعود من حرب طويلة. تحمل فوق ظهر السيارة والفارغونيت : زيت المائدة، ومعلبات “بون ماما”، وأغطية الصوف، وشكولاتة الأطفال، و”الخوردة” التي كان أهل الدوار ينظرون إليها كما لو أنها غنائم قادمة من الفردوس الأوروبي. وكانت القرية كلها تستيقظ لوصولها. الأطفال يركضون خلف السيارة. النساء يتفقدن الذهب والحقائب. والرجال يخفون حسدهم تحت جملة مغربية قديمة: “الله يسخّر.”

في ذلك الزمن، كانت للاّ خدّوج تشبه قنطرة بين عالمين: بين مغرب الفقر وأوروبا المصانع، بين رائحة الخبز البلدي ورائحة المترو، بين الزغاريد وصوت العنصرية الصامتة في معامل الغربة. كانت تشتغل حتى تتآكل عظامها، ثم تعود صيفا محمّلة بالهدايا والحنين، كأنها ساعي بريد بين وطنين لا يتكلمان اللغة نفسها. وكان يكفيها آنذاك أن تسمع: “الله يرضي عليك أللاّ “خدّوج” فتبكي من الفرح, “و تزيد تجيب”

لكن…انتهى ذلك الزمن. ثم جاءت للاّ خدّوج إلى آخر الحكاية وهي متعبة من التصفيق. لم تعد تلك المرأة التي كانت تنزل إلى الوطن كأنها تدخل عرسا جماعيا. لقد تغيرت المرأة المهاجرة كما يتغير البحر بعد العواصف الطويلة. في الثمانينيات والتسعينيات، كانت الهجرة المغربية تشبه بقرة مقدسة تُحلب في صمت. المهاجر يشتغل في مصانع أوروبا، ينام قرب الآلات الحديدية، يبتلع العنصرية والإهانة والبرد، ثم يعود صيفا محمّلا بالهدايا والحنين. أما اليوم، فللاّ خدّوج لم تعد تريد فقط أن تُستقبل بالزغاريد.

لقد وعت. وهنا تكمن الصدمة الكبرى. لقد اكتشفت أن أبناءها الذين ولدوا في باريس وبروكسيل وأمستردام وميلانو، ليسوا مجرد “زوار صيف”، بل بشر من لحم المغرب وذاكرته، حتى لو كانت ألسنتهم تتلعثم أحيانا بالعربية أو الدارجة. للاّ خدّوج الجديدة لم تعد تريد صورة مع القفطان والشاي والتمر أمام الكاميرات. تريد أكثر من ذلك. تريد أن ترى أبناءها داخل السفارات لا فقط أمام شبابيكها. داخل القنصليات لا في طوابيرها. داخل المؤسسات الثقافية لا فقط في حفلات الكسكس والحنين الموسمي.

لقد تعبت من لعب دور “الضيفة الأبدية” في وطنها. أي عبث هذا؟ امرأة دفعت الضرائب في أوروبا نصف قرن، وأرسلت العملة الصعبة إلى المغرب، وبنت البيوت، وأطعمت القرى، وموّلت أعراس العائلة، ثم حين كبر أبناؤها، اكتشفت أن الوطن ما يزال ينظر إليهم أحيانا كأنهم مجرد حقائب موسمية تأتي بالصيف وتختفي.

لا يا قرائي الأعزاء,. “اللّي جا من الرحلة ماشي غريب.” أبناء الهجرة ليسوا سياحا عاطفيين. إنهم امتداد حيّ للمغرب نفسه. لكن مازال البعض يتعامل بعقلية قديمة، كأن الجالية مجرد خزنة تحويلات مالية تُفتح كل صيف ثم تُغلق. لقد تغيّر العالم. ابن للاّ خدّوج اليوم يحمل شهادات عليا من جامعات أوروبية كبرى، يتحدث ثلاث لغات، يفهم الإدارة الحديثة، ويعيش بين ثقافتين كمن يعيش بين قلبين. فلماذا لا يجد مكانه الطبيعي داخل: السفارات, القنصليات, المعاهد الثقافية، دور المغرب، المؤسسات الإعلامية والثقافية المرتبطة بالجالية؟

أليس هذا حقا طبيعيا؟ مغربي يعود محمّلا بالوعي لا فقط بالهدايا؟ في الماضي، كانت للاّ خدّوج تحمل “الزّاد والزوّاد” فوق السيارة. اليوم تحمل أسئلة أعمق بكثير. تسأل: لماذا يشعر أبنائي أحيانا أنهم أقرب إلى الوطن في الأغاني… منهم في المؤسسات؟ لماذا يُطلب منهم دائما أن يحبوا المغرب، لكن نادرا ما يُطلب من المؤسسات أن تحتضنهم فعلا؟ لقد انتهى زمن “مرحبا وخلاص”. الجالية المغربية لم تعد جالية أمّية تبحث فقط عن ختم إداري أو صورة مع مسؤول. هناك جيل جديد: أطباء, محامون, باحثون, فنانون, صحفيون, كتّاب, ومهندسون…

جيل لا يريد صدقة رمزية، بل يريد شراكة كاملة معه. لأن الوطن الحقيقي ليس مائدة صيفية نجتمع حولها ثم نفترق بعد انتهاء العطلة. الوطن الحقيقي هو أن ترى نفسك ممثلا داخله، حتى وأنت بعيد. للاّ خدّوج فهمت أخيرا أن الحب وحده لا يكفي لبناء الانتماء. فالإنسان، مهما أحب وطنه، يحتاج أن يشعر أن الوطن يراه أيضا. وفي المغرب نقول: “اللّي بغاك يبغى مشيتك ومجيتك.” للاّ خدوج الجديدة لم تعد تكتفي بأن يُصفّق لها في المطار…بل تريد أن تُفتح لها ولأبنائها الأبواب أيضا.

وربما هنا تبدأ المرحلة الجديدة من حكاية الهجرة المغربية: ليس كفولكلور صيفي مليء بالزّغاريد والحقائب، ولا كمأساة حنين فقط، بل كقوة فكرية وثقافية وإنسانية يجب أن تصبح جزءا من قلب المؤسسات نفسها. لأن المغرب لم يعد وطن الداخل فقط…بل وطن الامتداد الإنساني كلّه. المغرب جسد واحد…ونبض واحد…ودم واحد…تحت شعار: الله – الوطن – الملك. وملكنا محمد السادس أوصى دائما خيرا بأبنائه في الخارج، لأن مغاربة العالم ليسوا هامشا في الحكاية المغربية، بل فصلا أساسيا من روحها الحديثة.

للاّ خدوج اليوم لم تعد تلك المرأة التي كانت تفرح بكيس هدايا وصورة قرب البحر…لقد أصبحت ترى أبعد من البحر نفسه صارت تريد لأولادها مكانا في قلب الوطن…لا مجرد مقعد أو صحن في مائدته الصيفية.

📲 Partager sur WhatsApp

3 thoughts on “انتهى عهد للاّ خدّوج أمّ الحقائب الثقيلة

  1. نصّك لا يتحدث فقط عن امرأة مهاجرة، بل عن مرحلة كاملة من الوجدان المغربي. لقد نجحت في تحويل “لالة خدّوج” من شخص إلى رمز جماعي؛ رمز لذاكرة السفر، وللهجرة حين كانت تُعاش كاقتلاع عاطفي لا كخيار اقتصادي فقط. الجميل في النص أنّه لا يسقط في النوستالجيا السهلة، بل يلتقط التفاصيل الصغيرة التي صنعت أسطورة “العائدة من أوروبا”: رائحة الحقائب، نظرات أهل الدوار، الهدايا البسيطة التي كانت تبدو كأنها آتية من عالم آخر

  2. قراءة تقف عند التحولات التي تعرفها الجالية في علاقتها بالوطن. فهل الوطن أصبح واع بهذه التحولات، و بالتالي عليه أن يغير النظارات التي يرى من خلالها هؤلاء المواطنين القادمين من الضفة الأخرى. و يغير تعامله معهم من خلال إدماجهم في الشأن المحلي في إطار سياسة خارجية تأخذ بعين الاعتبار المواقع الجديدة التي أصبحت الجالية تحتلها و الأدوار التي تقوم بها من أجل تنمية البلاد؟

  3. تعاني الجالية معاناة كبيرة في المغرب، خصوصا عندما تريد الدخول إلى عالم الاستثمار، حيث تصطدم ببيروقاطية رهيبة. هذا من جهة ومن جهة أخرى، يتم التعامل مع الجالية على أنها بقرة حلوب لا أقل ولا أكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *