بقلم زكية لعروسي, باريس
في مدينة تشبه كائنا أسطوريا يقتات على الضوء والدخان، وقف وودي هاريلسان في كان، لا كممثل يروّج لفيلم، بل كناسك أمريكي ضلّ طريقه إلى معبد الثورة الفرنسية. قال عبارته العابرة كشرارة صغيرة: «ينبغي أن نتظاهر مثل الفرنسيين». غير أنّ العبارة، حين تخرج من فم ممثل عجوز يحمل في تجاعيده تعب الحضارة الأمريكية، لا تبقى تصريحا صحفيا؛ بل تتحول إلى سؤال أنثروبولوجي رهيب: لماذا صار الفرنسي حين يغضب يهزّ العالم، بينما تصرخ أمم أخرى حتى ينكسر صوتها ولا يسمعها أحد؟
إنّ التظاهر ليس اختراعا حديثا كما يتوهم أبناء الشاشات. المظاهرة أقدم من الدولة نفسها. إنها الغريزة الجماعية حين تكتشف أنّ السياسة ليست إلها. منذ أن تعلّم الإنسان الأول إشعال النار، تعلّم أيضا أن يحيط بالنار جماعة كي لا يلتهمه الوحش منفردا. كانت أول مظاهرة في التاريخ ربما تلك الحلقة البدائية حول زعيم القبيلة حين رفض الصيادون تقسيم الغنائم. قبل أن توجد الدساتير، كانت الأقدام الغاضبة أول لغة سياسية عرفتها الأرض.
في أثينا القديمة، لم يكن المواطن يكتفي بالتصويت، بل كان يحتشد في الأغورا كما يحتشد المؤمنون في المعابد، لأنّ السياسة عند الإغريق لم تكن إدارة للسلطة، بل فنا لصناعة المصير. أما في روما، فقد فهم العامة مبكرا أنّ الجموع أخطر من السيوف؛ ولذلك كان الأباطرة يخافون من صمت الجماهير أكثر من خوفهم من الجيوش. وحين ثار العبيد بقيادة سبارتاكوس، لم تكن الثورة مجرّد تمرّد اقتصادي، بل صرخة الإنسان ضد تحوّله إلى شيء.
وفي الشرق، كانت الحكاية أكثر غموضا وميتافيزيقية. ففي تراثنا العربي والإسلامي لم يظهر مفهوم “المظاهرة” بصيغته الحديثة، لكن روح الاحتجاج كانت متغلغلة في الضمير الحضاري. الأسواق نفسها كانت برلمانات مفتوحة؛ في سوق عكاظ لم يكن الشعراء يتبارزون بالكلمات فقط، بل كانت القبائل تتفاوض على الهيبة والعدالة والمعنى. وحين وقف الحسين بن علي في كربلاء، لم يكن يقود احتجاجا سياسيا محدودا، بل دشّن أعظم تراجيديا احتجاجية في الوعي الإسلامي: أن يقف الإنسان ضد القوة ولو كان يعرف أنّ الهزيمة المادية تنتظره. منذ تلك اللحظة صار الدم نفسه لغة للاعتراض.
وفي التاريخ الإسلامي أيضا، لم يكن “الخروج على الطاعة” مسألة فقهية فقط، بل سؤالا فلسفيا حول حدود الطاعة. كتب الفقهاء عن الفتنة، لكن المتصوفة كتبوا عن حرية الروح. وكان العامة، في الأزقة والأسواق، يبتكرون أشكالهم الخاصة من المقاومة: الهجاء، النكتة، العصيان الضريبي، الامتناع الجماعي، وحتى الصمت الثقيل الذي يسبق الانفجار.
لكن لماذا فرنسا تحديدا؟ لماذا أصبحت باريس العاصمة الروحية للاحتجاج الإنساني؟ لأنّ فرنسا لم تجعل الثورة حدثا… بل جعلتها هوية قومية. منذ الثورة الفرنسية لم يعد الفرنسي يرى نفسه مواطنا فقط، بل وريثا دائما للمقصلة. هناك، في الساحات التي سال فيها دم النبلاء، وُلد مفهوم الشعب بوصفه إلها جديدا. الفرنسي لا يخرج إلى الشارع لأنه جائع فقط، بل لأنه يشعر أنّ الاحتجاج جزء من كرامته الجمالية. حتى غضبه عنده طابع مسرحي. المتاريس في باريس ليست حواجز إسمنتية، بل ديكور تاريخي يعاد تركيبه كل جيل.
فرنسا لم تصنع ثقافة التظاهر من السياسة وحدها، بل من الأدب والفلسفة أيضا. من جان جاك روسو الذي علّم الإنسان أنّ السلطة عقدٌ قابل للفسخ، إلى فولتير الذي جعل السخرية سلاحا أخطر من البنادق، وصولا إلى جان بول سارتر الذي نزل إلى الشارع ليكتب الفلسفة بالأقدام لا بالحبر. في فرنسا، المثقف لا يقف خارج المظاهرة؛ بل أحيانا يكون هو المظاهرة نفسها. ثم جاءت انتفاضة مايو 1968، حين احتل الطلاب الجامعات والشوارع، واكتشف العالم أنّ السلطة يمكن أن تهتزّ بسبب شعارات مكتوبة على الجدران. منذ ذلك الوقت، أصبحت باريس مختبرا كونيّا للغضب الإنساني. العالم كله يشاهد الفرنسيين وهم يحرقون الإطارات ويعطلون القطارات كأنّه يشاهد طقسا أسطوريا لإعادة خلق الحرية.

أما أمريكا التي تحدّث عنها وودي هاريلسان، فهي حضارة مختلفة في جوهرها. الأمريكي تربّى على الفردانية، بينما الفرنسي تربّى على الجماعة. الأمريكي يؤمن بأن النجاح الشخصي خلاصٌ فردي، أما الفرنسي فما يزال يحمل في لاوعيه إرث الكومونة والثورة والشارع. لذلك تبدو الاحتجاجات في فرنسا وكأنها امتداد طبيعي للتاريخ، بينما تبدو في أمريكا انفجارا استثنائيا سرعان ما يعاد امتصاصه داخل ماكينة الاستهلاك.
غير أنّ السؤال الأعمق ليس: لماذا يتظاهر الفرنسيون؟ بل: لماذا تحتاج البشرية دائما إلى التظاهر؟ لأنّ الإنسان، مهما بلغ من الحضارة، يبقى كائنا خائفا من التحول إلى رقم. المظاهرة هي اللحظة التي يستعيد فيها الفرد جسده وصوته من الآلة. إنها إعلان بدائي يقول: “أنا هنا… ولن أختفي بصمت”. وحين تمشي الجموع في الشوارع، يحدث شيء يتجاوز السياسة. يصبح الهتاف شبيهاً بالتراتيل القديمة، وتصير المدينة معبدا هائلا للغضب الجماعي. حتى الدخان المتصاعد من الإطارات المحترقة يبدو كأنه بخور أسود تقدمه الشعوب قربانا للحرية.
لهذا بدت كلمات وودي هاريلسان أكبر من تصريح عابر في مهرجان سينمائي. لقد كانت اعترافا متأخرا بأنّ الحضارة الغربية نفسها تخشى أن تفقد آخر ما يربط الإنسان بإنسانيته: القدرة على قول “لا” بصوت جماعي. وربما لهذا السبب تحديدا، ستظل باريس – مهما شاخت، ومهما غمرتها الرأسمالية والسياح والنيون – مدينة تعرف كيف تحوّل الغضب إلى فن، والاحتجاج إلى أسطورة، والشارع إلى قصيدة تمشي على أقدام البشر.
📲 Partager sur WhatsApp
انحناءة إعجاب و تقدير للمجهود الذي تقومين به. في كل مرة أكتشف بعدا جديدا في كتاباتك. المؤرخة الانتربولوجية المقاربة السسيولوجية و الأديبة المبدعة. و الأجمل هي تلك القدرة التي تجعل من هذا المزيج طبقا لذيذا و متفردا. برافو بالمزيد من التوفيق و الإبداع.