كيف يربي القانون الإنسان دون أن يهينه؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في إحدى البلدات الأوروبية الصغيرة، خرج شبان ومراهقون ذات صباح لجمع القمامة من الشوارع. لم تكن هناك أصفاد. لا صراخ. لا إذلال علني. ولا خطابات عن الوطنية. مجرد ساعتين من تنظيف الأرصفة، وسط ضحكات خفيفة وأكياس سوداء تمتلئ بما تركه الآخرون خلفهم من فوضى. وحين انتهى الأمر، قال المسؤول البلدي جملة بدت بسيطة لكنها تحمل عبقرية حضارية كاملة: «لم نفعل شيئا بطوليا… إنه مجرد منطق سليم.» في تلك اللحظة تحديدا، بدا المشهد أكبر من حملة نظافة. كان درسا عميقا عن معنى القانون حين يتحول من أداة عقاب إلى مدرسة أخلاقية.

هناك فرق هائل بين مجتمع يخاف القانون، ومجتمع يحترمه. الأول يطيع لأنه مراقب. والثاني يطيع لأنه يشعر أن الفضاء العام امتداد لكرامته الشخصية. وهنا تبدأ الحكاية المؤلمة في كثير من بلداننا، ومنها المغرب. في المغرب، لا تبدو القمامة دائما مجرد نفايات مرمية على قارعة الطريق. أحيانا تبدو كأنها أثر نفسي لعلاقة مضطربة بين الإنسان والمكان. يكفي أن تعبر بعض الطرقات، أو أطراف المدن، أو بعض الشواطئ بعد الصيف، حتى ترى الأكياس البلاستيكية وعلب المشروبات و«الكانِت» متناثرة قرب الأشجار والجدران والوديان، كأن الأرض تحولت إلى ذاكرة مهملة.

والمفارقة موجعة فعلا. بلد يملك جمالا يكاد يكون أسطوريا: أزقة فاس العتيقة، زرقة شفشاون، سحر مراكش، جبال الأطلس، ودفء الجنوب…ثم تجد قارورة بلاستيكية مرمية قرب شجرة زيتون عمرها مئات السنين. كأن الإنسان العربي أحيانا يعيش انفصالا داخليا غريبا: يعشق الوطن كشعار… لكنه لا يحميه كتفصيل يومي. هنا تحديدا نفهم أن المشكلة ليست دائما في غياب القوانين. القوانين موجودة. لكن القانون وحده لا يصنع حضارة إذا لم يتحول إلى ثقافة داخلية.

فالمراهق لا يتعلم احترام الشارع من الغرامات فقط، بل من الإحساس بأن الشارع يشبهه. حين يشعر أن المدينة بيته الكبير، يصبح رمي الأوساخ فعلا يشبه إهانة غرفة نومه الخاصة. لهذا تبدو تلك المبادرات التي تجعل الشباب ينظفون الشوارع بأنفسهم أكثر ذكاء من العقوبات التقليدية. إنها لا تكسر الإنسان… بل توقظه. تخيل لو أن البلديات المغربية طبقت برامج مماثلة: شاب يرمي القمامة من نافذة السيارة؟ بدل أن يتحول الأمر إلى مخالفة تدفع وتنسى، يشارك في تنظيف حي كامل مع متطوعين وعمال نظافة. هناك سيكتشف الحقيقة التي لا تعلمها النصوص القانونية: كم هو قاس أن تنظف ما يرميه الناس بلا رحمة.

فالإنسان حين يلمس تعب المكان بيديه، تتغير علاقته بالعالم. في اليابان، ينظف الأطفال مدارسهم بأيديهم، لا لأن الدولة عاجزة عن توظيف عمال نظافة، بل لأن التربية هناك تريد أن تزرع فكرة جوهرية: «المكان الذي تنظفه… يصعب عليك تخريبه.» أما في كثير من مجتمعاتنا، فقد ترسخت للأسف فكرة خطيرة: أن الفضاء العام لا يخص أحدا. وهنا تبدأ الكارثة الصغيرة التي تكبر مع الوقت. لأن الأمم لا تنهار دفعة واحدة، بل تتآكل حين تتعود على القبح.

حين تصبح القمامة جزءا طبيعيا من المشهد اليومي، يتبلد الإحساس الجماعي تدريجيا. ثم ينتقل الخراب من الشارع إلى اللغة، ومن اللغة إلى السلوك، ومن السلوك إلى السياسة نفسها. لهذا فإن النظافة ليست قضية بيئية فقط. إنها قضية فلسفية وأخلاقية عميقة. في الروايات الروسية، كان الإنسان يختبر دائما في التفاصيل الصغيرة: كيف يتصرف حين لا يراقبه أحد؟ كيف يعامل الشارع؟ كيف يحترم الضعيف والصامت وغير المرئي؟ أما ألبير كامو، فقد فهم أن مقاومة العبث تبدأ من الأفعال اليومية الصغيرة التي تعيد المعنى للعالم.تنظيف شارع قد يبدو فعلا بسيطا…لكنه في الحقيقة مقاومة ضد الفوضى الداخلية أيضا.

القانون الذي يعتمد فقط على العقاب يصنع شعبا بارعا في التهرب. أما القانون الذي يربي الذوق والمسؤولية، فيصنع بشرا يحمون النظام حتى في غياب الشرطة. وهذا ما يحتاجه المغرب، والعالم العربي كله: ليس المزيد من الغرامات فقط، بل ثورة هادئة في الوعي. أن يشعر الطفل أن رمي «الكانِت» على الطريق ليس مخالفة، بل جرح صغير في صورة وطن كامل. وأن يفهم المراهق أن تنظيف الشارع ليس عملا مهينا، بل فعل انتماء راق. فالمدن النظيفة لا تصنعها البلديات وحدها.تصنعها الأرواح التي تؤمن أن الأرض التي نمشي عليها ليست فندقا مؤقتا…إنّما هي انعكاس خفي لما نحن عليه من الداخل. وربما لهذا السبب، فإن أجمل القوانين ليست تلك التي تخيف الإنسان، بل تلك التي تجعله يخجل من إيذاء الجمال.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “كيف يربي القانون الإنسان دون أن يهينه؟

  1. شظايا من فلسفة التربية ب “الفعل” ، كثيرا ما يكون التعلم والتربية على فلسفة القانون، بالمشاركة في عمل مدني يقيس درجة قيمة تفعيل القيم: نظافة الملك العمومي، الموقف الإيجابي من المجتمع، الصالح العام، وضمنيا تربية على الإدماج الاجتماعي….وهو ما يدخل ضمن ….البديلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *