الاكتئاب: الخوارزميات تغزو آخر حصون الإنسان

بقلم زكية لعروسي, باريس

في ولاية يوتا الأمريكية، حيث تمتد الصحارى مثل صفحات توراتية قديمة، وحيث تبدو المدن الحديثة كجزر إلكترونية وسط الفراغ، حدث شيء يشبه بداية رواية خيال فلسفي قاتمة: آلة ستقرر قريبا ما إذا كان الإنسان يستحق جرعته التالية من الدواء النفسي. ليس طبيبا من لحم وذاكرة وتجارب إنسانية… بل «شات بوت». ذكاء اصطناعي سيجلس، بصمت رقمي بارد، بين المريض وألمه، بين الاكتئاب والحبة الكيميائية، بين القلق والطمأنينة المؤقتة. هكذا يبدأ العصر الجديد.

في الظاهر، يبدو القرار تقنيا وإنسانيا معا: نصف مليون شخص في يوتا لا يحصلون على الرعاية النفسية الكافية، والأطباء نادرون، والنظام الصحي الأمريكي يختنق تحت ثقل التكلفة والبيروقراطية. لذلك جاءت الشركات التكنولوجية تحمل وعدها القديم: «دعوا الآلة تصلح ما عجز عنه الإنسان». لكن خلف هذه اللغة البراقة، يتحرك شيء أعمق وأكثر غرابة. إننا لا نشهد مجرد تطور طبي، بل بداية انتقال السلطة النفسية والوجودية من الإنسان إلى الخوارزمية. الطبيب لم يكن يوما مجرد موزع أدوية؛ كان شاهدًا على هشاشة البشر، كاهنًا حديثًا يسمع الاعترافات السرية للأرواح المتعبة. أما الآن، فإن هذا الدور ينتقل تدريجيًا إلى كيان بلا قلب، بلا خوف، بلا طفولة، وبلا ذاكرة بشرية.

وكأن البشرية، في لحظة تعب حضاري هائلة، قررت أن تسلّم أكثر مناطقها هشاشة – العقل والروح- إلى عقل صناعي غامض يشبه كائنا «إكستراتيريست» خرج من مستقبل بارد لا مكان فيه للعاطفة. هنا تستيقظ أشباح الفلاسفة. هايدغر، الذي خاف من هيمنة التقنية على الوجود الإنساني، كان سيعتبر هذا المشهد ذروة «تحويل الإنسان إلى مورد». لم يعد المريض روحًا تتألم، بل «بيانات» تُحللها الخوارزمية وتقرر إن كان ينبغي تجديد مضادات الاكتئاب. أما ميشيل فوكو، فكان سيرى في الأمر المرحلة النهائية من «السلطة الحيوية»؛ حيث لا تكتفي الأنظمة بإدارة الجسد، بل تبدأ في إدارة المزاج، القلق، النوم، والكيمياء الداخلية للإنسان عبر أنظمة ذكية مرتبطة بالسوق وشركات التكنولوجيا.

لكن الرعب الحقيقي ليس هنا فقط. الرعب يكمن في أن الإنسان الحديث بدأ يحبّ هذا الاستبدال. فالعالم المعاصر، المرهق بالسرعة والعزلة والقلق، صار يفضّل الآلة لأنها لا تحكم عليه، لا تتأخر، لا تتعب، ولا تطلب منه مواجهة عيني طبيب حقيقي. وهكذا، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة إلى بديل نفسي وحضاري. في الخلفية، تتحرك الشركات العملاقة مثل إمبراطوريات رقمية جديدة. الصحة النفسية أصبحت سوقا هائلة، والبيانات العاطفية للناس ربما ستكون نفط القرن الحادي والعشرين. من يعرف مخاوف البشر واكتئابهم ورغباتهم، يملك قدرة غير مسبوقة على توجيههم سياسيا واقتصاديا واستهلاكيا.

هنا تتداخل السياسة والمال والخطيئة في شكل جديد لم يعرفه التاريخ من قبل. فالخطيئة أصبحت تكمن في إغراء التخلي التدريجي عن إنسانيتنا مقابل الراحة والكفاءة. كأن دوستويفسكي عاد من قبره ليكتب رواية جديدة: ليس عن الفقراء والمجرمين، بل عن بشر يسلّمون أرواحهم طوعا لخوارزمية تتحدث بلطف وتصف لهم مضادات الاكتئاب. إنه عالم يقترب من لحظة غرائبية مرعبة: حيث يصبح الطبيب برنامجا، والمريض ملفا رقميا، والحزن سلسلة أرقام، بينما يقف الإنسان الحديث أمام الشاشة وحيدا أكثر من أي وقت مضى. فهل الذكاء الاصطناعي مجرد أداة؟ أم أننا أمام أول حضارة في التاريخ تبدأ، بهدوء مذهل، باستبدال الإنسان… داخل الإنسان نفسه؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *