بقلم زكية لعروسي, باريس
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى منفصلا: بعوض عقيم يُطلَق في مقبرة بـتولوز، وترامب يهدد خصومه بلغة القوة الاقتصادية، وفلادمير بوتين يعيد رسم خرائط الدم في أوكرانيا، وإيران تفاوض العالم وهي تمسك بعود ثقاب نووي فوق برميل جيوسياسي مشتعل. لكن تحت هذا التباعد الظاهري، توجد الفكرة نفسها: العالم الحديث لم يعد يقتل خصومه مباشرة فقط؛ بل يسعى إلى جعلهم عاجزين عن إنتاج المستقبل.
هذه هي الفلسفة العميقة للعصر. إن “البعوض العقيم” ليس مجرد تقنية بيولوجية، بل استعارة كونية لما تفعله الإمبراطوريات الحديثة ببعضها البعض: تعقيم القدرة على الاستمرار. حين تفرَض العقوبات الاقتصادية على إيران، فالمقصود ليس فقط إضعاف النظام، بل إنهاك الزمن الإيراني نفسه؛ إفقار الطبقات الوسطى، خنق النمو، تعطيل الأجيال القادمة، تحويل المستقبل إلى كائن جائع. العقوبات ليست حربا. إنها هندسة بطيئة للعقم الحضاري.

ولهذا تبدو الجمهورية الإسلامية ككائن تاريخي محاصر بمحاولة “منعه من التكاثر الجيوسياسي”: منع تمدده الإقليمي، تعطيل نفوذه المالي، تجفيف وكلائه، حصاره تكنولوجيا، وإبقاؤه داخل قفص استنزاف دائم. الأمر نفسه ينطبق على روسيا. فالحرب في أوكرانيا ليست فقط معركة حدود. إنها حرب على القدرة الروسية على إعادة إنتاج نفسها كقوة إمبراطورية. الغرب لا يريد فقط صدّ بوتين ؛ إنه يريد إنهاك روسيا ديموغرافيا واقتصاديا وعسكريا لعقود.
كل دبابة تدمَّر ليست مجرد خسارة عسكرية؛ إنها جزء من محاولة تعقيم “الحلم الروسي” نفسه. وهنا يصبح التشابه مع البعوض العقيم مذهلا. فالاستراتيجية الحديثة لا تقوم دائما على القتل الشامل، بل على جعل الخصم عاجزا عن الإنجاب السياسي والتاريخي. حتى ترامب، الذي يبدو أحيانا كأنه انفجار فوضوي داخل النظام الأمريكي، يعكس هذه المرحلة من التحول الإمبراطوري. ترامب لم يكن فقط رجلا سياسيا؛ لقد كان إعلانا عن دخول الولايات المتحدة عصر القلق من فقدان القدرة على “إعادة إنتاج الهيمنة”.
أمريكا الترامبية تخاف من شيخوخة الإمبراطورية. ولهذا يتحول الخطاب إلى هوس بالجدران والهجرة والرسوم الجمركية والتفوق الصناعي والطاقة. كلها أعراض إمبراطورية تشعر بأن خصومها يتكاثرون أسرع منها اقتصاديا وديموغرافيا وجيوسياسيا. حتى الحرب التجارية هي شكل من أشكال التعقيم الاقتصادي. إن العالم بأسره يتحرك اليوم وفق منطق “إدارة الخصوبة الاستراتيجية”: من يسمح له بالنمو؟ من يمنع من التمدد؟ من يخنق قبل أن يتحول إلى تهديد؟
لقد تغير شكل العنف العالمي. في القرن العشرين كانت الإمبراطوريات تسحق المدن بالقنابل. أما اليوم فهي تفضّل تقنيات أكثر نعومة: العقوبات، الديون، الحصار التكنولوجي، التحكم في أشباه الموصلات، حروب العملات، استنزاف الطاقة، إنهاك السكان، وإغراق الخصوم داخل حروب طويلة تستنزف مستقبلهم بدل أن تنهي حاضرهم فقط. إنه “العقم الجيوسياسي”. وهذا ما يجعل تجربة البعوض العقيم أكثر رعبا مما تبدو عليه. إنها ليست مجرد سياسة صحية، بل صورة مكبرة عن عقل العالم الحديث نفسه. عقل يريد إدارة الحياة عبر التحكم في احتمالات استمرارها.
لقد أصبحت السلطة العالمية تشبه عالم الحشرات بطريقة مخيفة: شبكات، عدوى، تكاثر، تعطيل، استنزاف، وانتظار طويل حتى ينهار الخصم وحده داخل دورة حياته. حتى الديمقراطيات الغربية لم تعد تقدم نفسها باعتبارها حاملة لقيم الحرية، بل باعتبارها مهندسة للتوازنات البيولوجية والاقتصادية العالمية. كل شيء اليوم يُدار بمنطق المختبر. أوكرانيا مختبر. إيران مختبر. العقوبات مختبر. الذكاء الاصطناعي مختبر. حتى المناخ بات مختبرا لإعادة هندسة المجتمعات. وهكذا يصبح البعوض العقيم أكثر من مجرد حشرة معدلة؛ إنه شعار غير معلن للعصر كله: “لا تقتل خصمك…اجعله غير قادر على إنتاج الغد.”
📲 Partager sur WhatsApp