بقلم زكية لعروسي, باريس
في فرنسا، لا تسقط السياسة دفعة واحدة. إنها تتآكل ببطء، مثل تمثال رخامي نبيل يواصل الوقوف رغم التشققات التي تلتهمه من الداخل. ولهذا تبدو قضايا “المساعدين البرلمانيين” أكثر من مجرد ملفات قانونية؛ إنها أشبه بأشعة سينية تكشف هشاشة الجسد العميق للجمهورية الخامسة. حين أغلق التحقيق دون توجيه اتهام إلى جان لوك ميلنشان، لم يكن الحدث انتصارا قضائيا بسيطا، ولا هزيمة كاملة للآلة القضائية، بل كان لحظة كاشفة عن شيء أكثر تعقيدا: الديمقراطية الفرنسية دخلت منذ سنوات مرحلة “الاشتباه الدائم”.
في هذه الجمهورية، لم يعد السياسي يدان فقط بما فعل، بل بما يُحتمل أنه قد يكون فكّر فيه. لقد أصبحت الشبهة نفسها مؤسسة سياسية. وهنا تحديدا يكمن التحول العنيف الذي أصاب الديمقراطيات الغربية الحديثة: لم تعد العدالة تعمل فقط كسلطة قانونية، بل تحولت تدريجيا إلى مسرح رمزي لإعادة تشكيل صورة السياسي أمام الرأي العام. السياسة الفرنسية اليوم لا تُدار داخل البرلمان فقط، بل داخل المحاكم، والتسريبات، والكاميرات، والاستوديوهات التلفزيونية، ودوامات الرأي الرقمي. لقد صار السياسي يعيش داخل “جمهورية المراقبة المستمرة”.
وحين صرخ ميلنشان ذات يوم: “الجمهورية أنا!” لم يكن الأمر مجرد انفعال شعبوي كما قُدِّم إعلاميًا، بل كان انفجارًا نفسيًا لرجل شعر للحظة أن الدولة الحديثة لم تعد تفصل بين القانون والعرض المسرحي. كانت تلك العبارة أشبه بصدع خرج من أعماق النظام نفسه. فالسياسي المعاصر يعيش تناقضا مرعبا: الديمقراطية تمنحه شرعية التمثيل الشعبي، لكنها في الوقت نفسه تخضعه لآلة مراقبة لا تتوقف أبدا.

إنها مفارقة السلطة الحديثة: كلما ازدادت الديمقراطية شفافية، ازداد السياسي هشاشة. ولذلك لم تعد فرنسا تعيش فقط صراع أحزاب، بل صراع سرديات كبرى حول معنى الجمهورية نفسها. في جهة، تقف الدولة القانونية التي تريد أن تظهر بمظهر الحارس الأخلاقي للأموال العامة. وفي الجهة المقابلة، يقف سياسيون يعتبرون أن جزءا من القضاء والإعلام تحول إلى سلطة موازية تعيد تشكيل الحياة السياسية خارج صناديق الاقتراع. إنه صدام بين شرعيتين: شرعية الانتخاب، وشرعية التطهير الأخلاقي. وهذا ما يجعل المشهد الفرنسي بالغ الرمادية.
فالتحقيقات التي طالت مارين لوبين وملفات فرانسوا بايرو، وقبلها قضايا نيكولا ساركوزي، لا تبدو مجرد وقائع منفصلة، بل تعبيرا عن أزمة أعمق داخل الجمهورية: أزمة الثقة بين السلطة والشعب، بين السياسة والأخلاق، بين الدولة العميقة وصعود الشعبويات. لقد أصبحت فرنسا تعيش داخل حالة “تطهير دائم للنخب”. لكن هذا التطهير نفسه يجعل: السياسة تتحول إلى سلسلة لا تنتهي من التحقيقات، يبدأ المواطن تدريجيا في النظر إلى المجال العام كله باعتباره فضاء فاسدا بطبيعته. وهنا تنتصر الشعبوية. ليس لأنها تقدم حلولا، بل لأنها تستثمر في انهيار الثقة. لقد دخلت الديمقراطيات الغربية عصرا غريبا: عصر السياسي المتهم دائما، حتى حين يخرج بلا إدانة. فالبراءة القضائية لم تعد تعني البراءة الرمزية. وسلطة الشبهة أصبحت أقوى أحيانا من سلطة الحكم القضائي نفسه. وهذا ما يجعل القضاء المعاصر سلاحا ذا حدين: فهو يحمي الديمقراطية، لكنه قد يساهم أيضا – دون قصد – في إنهاكها عبر تحويل المجال السياسي إلى محكمة مفتوحة بلا نهاية.
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بملفات مساعدين برلمانيين أو سوء استخدام أموال أوروبية. إن القضية الحقيقية هي أن فرنسا تبدو اليوم كجمهورية تبحث عن براءتها المفقودة. الجمهورية الخامسة التي ولدت مع شارل ديغول كحلم دولة قوية مستقرة، تحولت تدريجيا إلى مسرح ضخم للريبة المتبادلة: اليمين يشك في القضاء، اليسار يشك في الإعلام، الشعب يشك في الجميع. وفي هذا المناخ، تصبح السياسة أقل شبها بالحكم، وأكثر شبها بمحاكمة مستمرة. كأن الجمهورية لم تعد تدير نفسها عبر الثقة، بل عبر الخوف من الفضيحة المقبلة. وهكذا يتحول السياسي الفرنسي إلى كائن تراجيدي: منتخب من الشعب، مراقب من القضاء، محاصر بالإعلام، ومهدد دائما بأن يختزل تاريخه كله في جملة واحدة، أو لقطة واحدة، أو ملف واحد. إن فرنسا لا تعيش فقط أزمة أحزاب. إنها تعيش أزمة معنى. أزمة جمهورية أصبحت تخشى نفسها.
📲 Partager sur WhatsApp