السجن اختراع سياسي أم معمل أخلاقي؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في مكان ما خلف الجدران العالية والأسلاك الشائكة والأبواب المعدنية التي تبتلع الضوء كما تبتلع الحيتان السفن الصغيرة، يستيقظ رجل على صوت رجل آخر، وينام فوق أنفاس رجل ثالث، ويتقاسم متراً مربعاً مع أحلام لم تعد تجد مكانا للتمدد. هناك، في قلب السجون المكتظة، لا يصبح الاكتظاظ مجرد رقم إداري. إنه فلسفة كاملة. بل يمكن القول إنه شكل جديد من أشكال العمران البشري؛ مدينة مقلوبة تحت الأرض، حيث تتكدس الحيوات كما تتكدس الكتب المهملة في أرشيف منسي. وحين تعلن الإحصاءات أن السجون تستقبل آلاف النزلاء الإضافيين بينما لا تزداد الأماكن إلا ببطء شديد، فإن القضية لا تعود قضية بناء جدران جديدة. إنها قضية حضارية. قضية تتعلق بما إذا كانت الدولة تعاقب الإنسان أم تعيد تشكيله.

من المدهش أن السجن، بالشكل الذي نعرفه اليوم، ليس قديما كما نتصور. ففي كثير من الحضارات القديمة لم يكن السجن عقوبة بحد ذاته. كان مجرد محطة انتظار. في أثينا، وفي أجزاء واسعة من العالم اليوناني، كانت العقوبات الأساسية تدور حول الغرامة أو النفي أو الإعدام أو فقدان الحقوق المدنية. أما الحبس الطويل فقد ظل استثناء أكثر منه قاعدة. كان الإغريق يتساءلون: إذا كان الهدف إصلاح المواطن، فهل الجدران قادرة على تعليم الفضيلة؟ أما في التراث العربي والإسلامي، فقد ظهر تصور أكثر تعقيدا. فالماوردي في كتاباته السياسية، وأبو يوسف في اجتهاداته القضائية، وغيرهما من فقهاء السياسة الشرعية، نظروا إلى السجن باعتباره ضرورة لحماية المجتمع، لا باعتباره غاية في ذاته. وكانت الفكرة الجوهرية بسيطة وعميقة: السجن وسيلة. أما العدالة فهي الغاية.

وما إن تتحول الوسيلة إلى غاية مستقلة حتى يبدأ الخلل. في السجون المكتظة يفقد المكان هويته الأصلية. الزنزانة التي صُمّمت لاستقبال شخصين تستقبل ثلاثة أو أربعة أو خمسة. الممرات تتحول إلى شرايين مكتظة. والأسرة تصبح امتيازا نادرا. ثم تظهر تلك الصورة التي تثير القلق أكثر من غيرها: المئات والآلاف الذين ينامون على الأرض. عند هذه النقطة يتحول السجن تدريجيا من مؤسسة إصلاحية إلى ما يشبه “مستودعا بشريا. ولعل هذا هو أخطر تحول يمكن أن يصيب أي نظام عقابي. فالمستودع لا يربي. المستودع لا يؤهل. المستودع لا يعالج. إنه فقط يخزن.

لو عاد أفلاطون اليوم لزيارة بعض السجون المكتظة، لربما رأى فيها نسخة قاتمة من كهفه الشهير. في الكهف الأفلاطوني كان السجناء أسرى الظلال. أما هنا فقد يصبحون أسرى الاكتظاظ ذاته. وحين تتجاوز أعداد النزلاء قدرة المؤسسة على الاستيعاب، فإن العقوبة تبدأ في إنتاج واقع جديد: الوقت الطويل. الفراغ. التوتر. الاحتكاك المستمر. والشعور المتزايد بأن الفرد يتحوّل إلى رقم في قائمة طويلة. وهنا يكمن التحدي الفلسفي الأكبر. إذا كان الهدف من العقوبة إعادة إدماج الإنسان في المجتمع، فكيف يمكن تحقيق ذلك في بيئة تفقد تدريجيا شروط الفردية والكرامة والخصوصية؟

كل دولة توسع منظومتها العقابية بحثا عن الأمن. وهذا مفهوم ومشروع. لكن التاريخ يكشف مفارقة مثيرة. حين يتحول السجن إلى فضاء مكتظ ومتوتر ومفتقر إلى الموارد الكافية، قد يصبح أقل قدرة على تحقيق الهدف الذي أُنشئ من أجله. إذ إن إعادة الإدماج الاجتماعي تحتاج إلى التعليم والتكوين والرعاية النفسية والعمل والمتابعة الفردية. أما حين يطغى الاكتظاظ، فإن الإدارة نفسها تنشغل بإدارة الكثافة البشرية قبل أي شيء آخر. ويصبح السؤال اليومي: كيف نستوعب هذا العدد؟ بدلا من: كيف نعيد بناء هذا الإنسان؟

في بعض النصوص التراثية العربية تظهر فكرة لافتة: السلطة العادلة ليست تلك التي تكثر العقوبات، بل تلك التي تجعل العقوبة أقل ضرورة. وهي فكرة تبدو شديدة الحداثة رغم قدمها. فالمجتمعات الناجحة هي التي لا يحتاج الأشخاص فيهاا يحتاجون إلى دخول سجونها أصلا. وهنا يتجاوز النقاش أسوار المؤسسات العقابية ليمس التعليم والبطالة والصحة النفسية والتماسك الاجتماعي وسياسات الوقاية. فالسجن غالبا ليس بداية القصة. بل فصلها الأخير.

ربما تكمن المأساة العميقة في أن السجون المكتظة لا تعكس فقط أزمة داخل الجدران. إنها تعكس شيئا يحدث خارجها أيضا. فكل سجن مكتظ هو صورة مكبرة لمجتمع يواجه أسئلة صعبة حول العدالة والإقصاء والاندماج والفرص. ولهذا فإن الأزمة ليست معمارية فقط. إنها أخلاقية وفلسفية وسياسية. فالسجن الذي يفقد قدرته على الإصلاح يشبه مدرسة فقدت قدرتها على التعليم. يبقى المبنى قائما. لكن المعنى ينسحب منه بصمت. نجاح السجون ليس رهينا بعدد الأبواب الحديدية التي تغلق كل مساء. بل بعدد البشر الذين يستطيعون، حين تفتح تلك الأبواب يوما ما، أن يعودوا إلى المجتمع أقل غضبا وأكثر قدرة على بدء حياة جديدة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *