ترامب ونتنياهو: الإمبراطور الذي يوبّخ حليفه

بقلم زكية لعروسي. باريس

في السياسة ، لا ينبغي للمرء أن يثق كثيرا بالجمل المنقولة بين علامتي اقتباس. فهي تشبه الرسائل التي كانت تعبر الصحارى على ظهور الجِمال؛ تصل أحيانا كاملة، وأحيانا وقد غيّر الرمل بعض كلماتها. لذلك، وقبل أي تحليل، ينبغي التذكير بأن ما نسب إلى ترامب في تقرير إعلامي يبقى رواية صحفية عن محادثة خاصّة، لا تسجيلا رسميا منشورا. ومع ذلك، فإن السياسة ليست عِلما للأحداث فقط، بل أيضا علما للدّلالات. فإذا صحّ أن رجلا اشتهر بالاندفاع واللغة الصدامية يصف حليفا استراتيجيا بأنّه “مجنون تماما”، فإن الخبر لا يكمن في الشتيمة، بل في اللّحظة التاريخية التي جعلت الشّتيمة ممكنة.

في الإمبراطوريات القديمة، كان الوالي القوي يخشى الأعداء، لكنّه كان يخشى أكثر أن يفقد رضا العاصمة. في روما كان الطريق إلى النفوذ يمر عبر رضا القيصر. وفي بغداد العباسية كان بعض الولاة يراقبون مزاج الخليفة أكثر مما يراقبون حدود الأقاليم. أما اليوم، فإن السياسة العالمية تبدو أحيانا وكأنها أعادت إنتاج المسرح نفسه بأزياء حديثة. هنا يظهر السؤال الأهم: هل كان الغضب -إن صحّ وقوعه- موجها إلى نتنياهو كشخص؟ أم إلى الكلفة السياسية المتزايدة للحرب؟ السياسي لا يغضب عادة بسبب الأخلاق وحدها. إنه يغضب عندما تبدأ الوقائع بإنتاج أثمان جديدة.

الحروب تشبه المواقد. في بدايتها يلتف حولها الأنصار. ثم تبدأ الحرارة بالارتفاع. ثم يسأل الجميع: من يستطيع إطفاء النار دون أن يبدو مهزوما؟ في هذه النقطة تحديدا يصبح الحليف عبئا محتملا. ويصبح الدعم غير المشروط أكثر تعقيدا من الدعم نفسه. إذا كانت الرواية المنقولة صحيحة، فإنّ الأكثر إثارة ليست العبارة “أنت مجنون”، إنّما انتقال الحديث من ميدان الحرب إلى ميدان الصورة. من الجغرافيا إلى السردية. من الدّبابات إلى الرأي العام. وهذه هي اللّغة التي تفهمها العواصم الكبرى جيّدا.

لدينا في التراث العربي مثل يقول: “إذا كثرت الأيدي على القدر فسد الطعام.” وفي السياسة الحديثة يمكن تعديل المثل قليلا: إذا كثرت الجبهات على الدولة فسد الحساب. الحرب في غزة. والتوتر في لبنان. والاحتقان الإقليمي. والضغوط الدّولية. كل ذلك يجعل أيّ قرار جديد أشبه بحجر يلقى في بحيرة امتلأت أصلا بالأمواج. ولهذا يصبح السؤال أكثر أهمية من الجواب: هل ما نشهده خلاف على الأهداف؟ أم خلاف على التّوقيت؟ أم خلاف على حدود القوة نفسها؟ كان نيكولو ميكيافيلي يعلم أنّ الحاكم لا يخشى الكراهية فقط، بل يخشى اللحظة التي تصبح فيها الكراهية مكلّفة. أما ابن خلدون فكان سيدعونا إلى مراقبة التحولات لا التصريحات. فالسياسة ليست ما يقال. بل ما يتغيّر بعد أن يقال. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل قال ترامب تلك الكلمات؟ بل: ماذا سيحدث إذا كانت هذه الكلمات تعبّر عن تحوّل أوسع داخل دوائر القرار؟ هنا تبدأ القصة الفعلية.

في السيّاسة الحديثة يتحدث, أحيانا, الزعماء بلغة تبدو أقرب إلى مشاجرات الأسواق منها إلى بيانات الدّبلوماسية. لكن خلف العبارات الفجّة تختبئ حسابات شديدة البرودة. كأن المهرّج يرتدي قناع الحكيم. أو كأن الحكيم يتنكر في هيئة مهرّج. وفي هذه المنطقة الضّبابية تصبح الكلمات الصاخبة مجرد ستار تخفي خلفه الدول أسئلة أكثر عمقا: إلى أين تتّجه الحرب؟ من يتحمل كلفتها؟ ومن يملك حق إعلان نهايتها؟ لعلّ أهم ما تكشفه هذه الحكاية ليس طبيعة العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل طبيعة السياسة نفسها. السياسة ليست مملكة اليقين. إنها سوق كبيرة للنفوذ والرموز والضغوط والصور. وفي هذا السوق، قد تتحول كلمة غاضبة إلى إشارة استراتيجية. وقد تكون الشتيمة مجرد ضجيج. وقد تكون بداية فصل جديد. ولهذا لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا قيل؟ بل ينبغي أن نسأل، كما كان يفعل المؤرخون الكبار: من المستفيد من أن يقال؟ ومن المستفيد أكثر من أن يصدَّق؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *