ماذا يخفي صراع مشروع قانون المحاماة؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليست كل المعارك التي تدور داخل المؤسسات معارك قانونية خالصة، وليست كل النصوص التشريعية مجرد مواد وفصول جامدة. هناك أحيانا قوانين تتحول إلى مرايا تعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والوسائط المهنية، بين الإصلاح المعلن وإرادة الضبط الكامنة في الأعماق. وهذا بالضبط ما يجعل الجدل المثار حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة يتجاوز حدود تنظيم قطاع مهني ليصبح سؤالا سياسيا وفلسفيا حول طبيعة الدولة الحديثة وحدود استقلال المهن الحرة.

حين يعلن وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، استعداده للمثول شخصيا أمام مجلس المنافسة دفاعا عن مشروعه، فإن الأمر لا يتعلق فقط بحرص مسؤول حكومي على تمرير نص تشريعي. فاختيار الوزير أن يعود من سفره ويضع ثقله السياسي والشخصي في قلب المواجهة يحمل دلالات أعمق بكثير. إنّه إعلان بأن المعركة لم تعد تقنية، بل أصبحت معركة تصورات ورؤى ومواقع نفوذ. في ظاهر الأمر، يبدو الخلاف منصبّا على شروط الولوج إلى المهنة، وعلى تنظيم التمرين، وعلى صلاحيات الهيئات المهنية، وعلى بعض الامتيازات التاريخية التي راكمها المحامون عبر عقود طويلة. لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا انفجر هذا الجدل الآن؟ وما الذي يجعل كل طرف يتشبث بمواقعه إلى هذا الحد؟

في الفلسفة السياسية، يميز المفكّرون بين الدولة التي تنظم المجتمع والدولة التي تسعى إلى احتكار كل أشكال التنظيم داخله. ومنذ نشأة المهن الحرة الحديثة، وخاصة المحاماة، ظلت هذه المهن تمثل فضاء وسيطا بين الفرد والدولة. فالمحامي ليس موظفا عموميا، وليس تاجرا عاديا، بل هو فاعل يقع في منطقة رمادية تجمع بين خدمة العدالة والدفاع عن الحريات واستقلال القرار المهني. لذلك فإن أي محاولة لإعادة رسم حدود هذه الاستقلالية تثير تلقائيا أسئلة تتجاوز النص القانوني نفسه. هل يتعلق الأمر فعلا بتحديث المهنة وجعلها أكثر انفتاحا وشفافية؟ أم أن الأمر يتعلق بإعادة هندسة موازين القوة داخل الجسم المهني؟ وهل تسعى الدولة إلى تحرير المحاماة من منطق الامتيازات والنخب التقليدية؟ أم إلى إخضاعها أكثر لمنطق الإدارة المركزية؟

هنا تكمن العقدة الحقيقية. فحين يمنح لوزارة العدل دور أوسع في تدبير الولوج إلى المهنة والتكوين، يطرح سؤال جوهري: من يملك حق إنتاج المحامي؟ هل هي الدولة باعتبارها حامية المرفق القضائي؟ أم المهنة باعتبارها الأدرى بأسرارها وتقاليدها وأخلاقياتها؟ وحين يلغى الامتياز التاريخي الممنوح للنقباء السابقين داخل مجالس الهيئات، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل نحن أمام إصلاح ديمقراطي يهدف إلى كسر احتكار النخب التقليدية؟ أم أمام تفكيك متعمد لمراكز القوة التي كانت قادرة على موازنة نفوذ السلطة التنفيذية؟

إن التاريخ يعلمنا أن كلّ إصلاح يحمل وجهين. وجه معلن يتحدث عن الكفاءة والتحديث والشفافية، ووجه خفي يتعلق بإعادة توزيع السلطة. ومن هنا فإن المادة 122، التي أثارت الكثير من الجدل، ليست مجرد تعديل انتخابي. إنها إعلان عن انتقال من شرعية الخبرة المتراكمة إلى شرعية التمثيل العددي. لكن هل يكفي التمثيل العددي لصناعة الحكمة المؤسساتية؟ وهل يمكن الاستغناء عن الرأسمال الرمزي الذي راكمه النقباء السابقون عبر عقود من الممارسة؟ ثم ماذا عن المادة 50 وما ارتبط بها من إلغاء بعض أشكال التضامن المالي الإجباري بين المحامين؟ في الظاهر، يبدو الأمر انتصارا لحرية الفرد داخل المهنة. لكن السؤال الأعمق هو: هل يمكن لمهنة قائمة على قيم التضامن أن تتحول إلى فضاء تنافسي محض دون أن تفقد جزءا من روحها الجماعية؟

إن الليبرالية حين تدخل إلى المهن المنظمة لا تكتفي بتغيير القواعد، بل تعيد تشكيل القيم أيضا. وهنا نصل إلى لب القضية. فالصراع الدائر ليس بين وزير ومحامين، ولا بين حكومة وهيئات مهنية، بل بين نموذجين متنافسين للدولة. النموذج الأول يرى أن المؤسسات المهنية المستقلة تشكل رصيدا ديمقراطيا يجب الحفاظ عليه، لأنها تخلق توازنا مع السلطة المركزية. أما النموذج الثاني فيعتبر أن الزمن تغير، وأن الدولة الحديثة لا يمكن أن تترك قطاعات استراتيجية رهينة لهيئات مغلقة أو شبكات نفوذ تاريخية، مهما كانت مكانتها. لكن بين هذين النموذجين يظل المواطن هو السؤال الغائب. هل سيؤدي هذا الإصلاح إلى محام أكثر كفاءة؟ هل سيخفض كلفة الولوج إلى العدالة؟ هل سيضمن تكافؤ الفرص بين أبناء المغرب؟ هل سيحسن جودة الدفاع؟هل سيعزز ثقة الناس في القضاء؟ أم أن كل هذا الصخب يخفي مجرد معركة حول من يملك سلطة القرار داخل المهنة؟

إن أخطر ما يمكن أن يقع في مثل هذه اللحظات هو أن تتحول العدالة نفسها إلى رهينة لصراع المواقع. فالعدالة ليست ملكا للوزير ولا للمحامين. إنها ملك للمجتمع. وكل إصلاح يعيّر بقدرته على جعل المواطن يشعر أن القانون أصبح أقرب إليه، وأن الحقوق أصبحت أكثر حماية، وأن القضاء صار أكثر استقلالا وفعالية. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: من سينتصر في هذه المواجهة؟ بل: أي نموذج للمحاماة يريد المغرب في العقود القادمة؟ محاماة النخب التاريخية؟ أم محاماة السوق المفتوحة؟ أم محاماة جديدة توفق بين الاستقلال المهني والرقابة الديمقراطية؟

ذلك هو السؤال الحقيقي المختبئ خلف المواد والفصول والبلاغات والتصريحات. وما عدا ذلك ليس سوى تفاصيل في معركة أعمق حول إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والحرية، بين التنظيم والاستقلال.فقد يكون مشروع قانون المحاماة لحظة كاشفة لمسار دولة بأكملها وهي تعيد التفاوض مع أحد آخر الحصون المهنية التي ظلت لعقود طويلة تحتفظ بمسافة بينها وبين السلطة. والسؤال الذي سيبقى معلقا في الأفق: هل نحن أمام إصلاح يؤسس لمستقبل أكثر عدالة، أم أمام إعادة توزيع هادئة للنفوذ تحت عنوان التحديث؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *