بقلم الصحافي والسينمائي حسن كجوط– ورزازات, المغرب
بحكم اشتغالي في الصحافة والإنتاج السينمائي، أتيحت لي خلال سنوات مضت فرصة مرافقة الدكتور يوسف بوكبوط في عدد من المهام العلمية والميدانية، إلى جانب فريقه الذي يضم باحثين مغاربة وأجانب. كما واكبت بعض أعماله أثناء إنجاز ستة أفلام وثائقية حول المدن التاريخية والمدرسة، فسنحت لي فرصة الاقتراب من رجل لا يتعامل مع البحث العلمي بوصفه مهنة فحسب، بل باعتباره رسالة وجودية تستحوذ على وجدانه وتوجه خطاه. ومن خلال تلك التجارب، لمست عن قرب حجم الشغف الذي يسكنه، والإيمان العميق الذي يحمله تجاه المعرفة والتاريخ والتراث، حتى بدا لي واحدا من أولئك الباحثين الذين لا يعرفون التراجع مهما اشتدّت الصعاب أو تعاظمت العراقيل.
ولا تزال ذاكرتي تحتفظ بمشهد بالغ الدّلالة يعود إلى سنة 2019 تقريبا، خلال مرافقتي لفريقه إلى منطقة أقا، حيث كانت تتواصل أعمال الحفريات والدراسات المرتبطة بمدينة تمدولت التاريخية. وعلى مقربة من الموقع، وفي أعالي جبل شاهق يحتضن بقايا موقع أثري آخر، كان على الفريق أن يخوض رحلة صعود شاقة استغرقت ما بين ساعتين ونصف وثلاث ساعات. يومها، ورغم ما كان يعانيه الدكتور بوكبوط من آلام ومشاكل في ساقيه، أصر على مواصلة المسير خطوة بعد أخرى، رافضا الاستسلام للإرهاق أو التراجع أمام ووعرة التضاريس، إلى أن بلغ القمة رفقة فريقه. وفي تلك الأثناء، تعرضت شخصيا لحادث انزلاق أدى إلى سقوط كاميرتي المهنية الجديدة وتضررها، بينما ظل هو منهمكا في عمله، مركزا على البحث والتوثيق واستقراء الشواهد الأثرية. كان المشهد كافيا لاختزال جانب مهم من شخصيته؛ فحين يعثر على أثر جديد أو يقترب من خيط يقود إلى حقيقة تاريخية، تتراجع الآلام الجسدية إلى الهامش، ويصبح الاكتشاف ذاته قوة دافعة تتغلب على التعب وتنتصر على المشقة. وكأن الكنوز الحضارية المدفونة في أعماق الأرض أو المعلقة فوق قمم الجبال كانت تمنحه طاقة إضافية تمكّنه من مواصلة الطريق.
ولم تكن تلك الواقعة سوى نموذج من مسار طويل قضاه الرجل بين المدن والقرى والمواقع الأثرية المغربية. فقد اشتغل في عدد كبير من الأوراش العلمية والتنقيبات الميدانية، وأسهم من خلال أبحاثه في تحقيق نتائج ذات قيمة معرفية رفيعة، نالت بعضها جوائز وتقديرا أكاديميا داخل المغرب وخارجه. كما أفضت أعماله إلى تقديم معطيات جديدة أغنت كتابة التاريخ المغربي، وأسهمت في تصحيح كثير من التصورات والأحكام التي ترسخت بفعل التكرار الإعلامي أو المناهج التعليمية التقليدية.
غير أن هذا العطاء العلمي المتواصل لم يحُل دون تعرّضه، وفق ما يؤكد، لصعوبات ومضايقات إدارية داخل المؤسسة التي يعمل بها، حيث جرى تجميد بعض أنشطته وعدم التّرخيص له بمواصلة عدد من أبحاثه الميدانية. وفي هذا السياق، كشف الدكتور يوسف بوكبوط، في تدوينة نشرها على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي، أنه يخوض يوميا معركة قانونية وأخلاقية من أجل انتزاع حقوقه المشروعة والدّفاع عن مساره العلمي، معتبرا أن هناك جهات تسعى إلى عرقلة عمله والتّضييق على جهوده البحثية. وأكّد أن ما حققه من إنجازات وأبحاث علمية، سواء على الصعيد الوطني أو في المحافل الدولية، لا يزيده إلا إصرارا على مواصلة الطريق، مشددا على أنه لن يسمح لأي طرف بأن ينال من عزيمته أو يثنيه عن مشروعه العلمي.
وفي تدوينته ذاتها، استحضر الباحث جذوره العائلية والتاريخية، مشيرا إلى انتمائه إلى قبيلة آيت خباش، إحدى المكونات الأساسية لكونفدرالية آيت عطا بالجنوب الشرقي للمغرب، وهي القبيلة التي ارتبط اسمها بتاريخ طويل من المقاومة والدفاع عن الأرض والكرامة الوطنية. وذكّر بأن أبناءها خاضوا مواجهات متواصلة ضد القوات الاستعمارية الفرنسية منذ بدايات التوسع الاستعماري، واستمروا في المقاومة إلى حدود سنة 1936، فكانوا من آخر من ألقوا السلاح بعد سنوات من الصمود. كما أشار إلى أن أسرته تحضر في عدد من المراجع والخرائط التاريخية الخاصة بمنطقة تافيلالت، معتبرا أن هذا الإرث ليس مجرد ذاكرة عائلية، بل مصدر إلهام وقوة يستمد منه القدرة على مواجهة التحديات ومواصلة النضال من أجل قضاياه العلمية والمهنية.
واختتم تدوينته بالتأكيد على أن روح المقاومة التي ورثها عن أجداده ستظل حاضرة في مسيرته، وأنه سيواصل الدفاع عن حقوقه ومشاريعه البحثية بثبات وإصرار، مهما تعددت العراقيل وتعاقبت المحن. ومن خلال ما عشته شخصيا أثناء مرافقة هذا الباحث في الميدان، أستطيع أن أقول إن الدكتور يوسف بوكبوط لا ينتمي إلى فئة الباحثين الذين يكتفون بمقاعد المكاتب ومنابر الندوات، بل هو رجل ميدان بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ باحث يحمل في قلبه شغف المستكشف، وفي عقله صرامة العالم، وفي خطاه عناد من يؤمن بأن التاريخ لا يقرأ فقط في الكتب، بل ينتزع من الصخور والتلال وطبقات الأرض. ولذلك يواصل مسيرته بإرادة لا تلين، مؤمنا بأن خدمة التراث الوطني وحماية الذاكرة الجماعية ليست مجرد مهمة أكاديمية، بل مسؤولية حضارية تستحق أن يبذل في سبيلها الجهد والعمر معا.
📲 Partager sur WhatsApp