بقلم زكية لعروسي, باريس
في كرة القدم، لا يوجد شعب أكثر تفاؤلا من المشجعين، ولا جهة أكثر حذرا من شركات المراهنات. فقبل أن تنطلق صافرة البداية بأيام، يكون الجمهور قد توّج منتخب بلاده بطلا للعالم عشرات المرات في المقاهي ومجموعات الأصدقاء، بينما تجلس الخوارزميات الباردة أمام شاشاتها العملاقة تحسب الاحتمالات دون عاطفة أو أناشيد وطنية. ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، عاد السؤال الأبدي ليطرق أبواب الملايين: من سيرفع الكأس الذهبية في سماء نيويورك يوم التاسع عشر من يوليو؟
السؤال يبدو بسيطا، لكنه في الحقيقة يشبه محاولة التنبؤ بمسار برق داخل عاصفة. إذا كان لكرة القدم أوركسترا، فإن إسبانيا تبدو اليوم قائدها الأكثر أناقة. بعد سنوات من إعادة البناء، نجح الإسبان في صناعة توليفة آسرة تجمع بين خفة الشباب ودهاء الخبرة. لم تعد “لا روخا” مجرد منتخب يمرر الكرة بإفراط كما كان يتهم سابقا، بل أصبحت آلة هجومية تعرف متى تعزف ومتى تضرب. يرى كثير من المحلّلين أن المنتخب الإسباني هو الأكثر اكتمالا على الورق. يلعب بثقة البطل الأوروبي، ويملك جيلا يبدو وكأنه خرج من مختبر كروي صُمم خصيصا لإنتاج المواهب. لكن كأس العالم ليست مسابقة للجمال الفني. كم من فرقة عزفت أجمل الألحان ثم غادرت المسرح قبل المشهد الأخير؟
فرنسا… بلد لا يعرف الخوف
هناك منتخبات تدخل البطولة وهي تحلم بالمجد، وهناك فرنسا التي تدخلها وكأن المجد جزء من حقائب السفر.خلال العقد الأخير تحولت “الديوك” إلى أكثر المنتخبات استقرارا على الساحة العالمية. نهائي، ثم لقب، ثم نهائي آخر… وكأن الفرنسيين وجدوا وصفة سرية لتحويل الضغوط إلى وقود. ما يميز فرنسا ليس فقط وفرة النجوم، بل قدرتها المدهشة على النجاة. حين تتعطل الخطط يجدون حلاً. وحين تتعقد المباريات يجدون بطلا. وحين يظن الجميع أنهم سقطوا، ينهضون كأن شيئا لم يحدث. لهذا السبب لا يحتاج المنتخب الفرنسي إلى أن يكون الأفضل كي يصبح الأخطر.
الأرجنتين… السحر الأخير لجيل لا يريد المغادرة
ثمة شيء رومانسي دائما في الأرجنتين. حتى عندما تفوز، تشعر وكأنها تحارب ضد قدر لا يملّ من اختبار أعصابها. الأبطال الحاليون للعالم يدخلون البطولة وهم يحملون إرثا ثقيلا. الدفاع عن اللقب أصعب بكثير من الفوز به، لأن الجميع يريد إسقاط الملك. لكن الأرجنتين تعلمت خلال السنوات الأخيرة درسا ثمينا: البطولات الكبرى لا تربح بالاستعراض، بل بالصبر. إنها تلعب أحيانا كما يلعب راقص التانغو العجوز؛ حركات أقل، حكمة أكثر. ولهذا تبقى بين أكثر المرشحين إقناعا مهما تبدلت الأسماء والوجوه.
البرازيل… حين يرفض الحلم أن يموت
في كل كأس عالم تقريبا، تتكرر النبوءة نفسها: “هذه ليست البرازيل التي عرفناها.” ثم تبدأ البطولة، فتظهر لمحات من الجنون الجميل الذي جعل هذا البلد مرادفاً لكرة القدم. البرازيل لا تدخل المنافسة كمنتخب فقط، بل كفكرة. فكرة أن اللعبة يجب أن تُلعب بابتسامة. أن المراوغة يمكن أن تكون فنا. وأن المستحيل ليس سوى تفصيل إداري صغير. قد لا تكون “السيليساو” المرشح الأول في حسابات الحواسيب، لكنها تظل المنتخب الذي يخشاه الجميع عندما تبدأ الأدوار الإقصائية.
وإنكلترا… عبقرية البحث عن الخلاص
أما الإنكليز فيعيشون علاقة معقدة مع كرة القدم تشبه الروايات الفيكتورية الطويلة؛ كثير من الأمل، كثير من الدراما، ونهايات لا ترضي دائماً القراء. كل جيل يوصف بأنه الجيل الذهبي. وكل بطولة تبدأ بأحلام كبرى. وكل صيف يحمل الوعد بأن الكأس “ستعود إلى الوطن”. ومع ذلك، فإن المنتخب الإنكليزي يملك اليوم من الجودة والعمق ما يجعله قادراً فعلاً على كتابة فصل مختلف. المشكلة الوحيدة أن التاريخ نفسه سيجلس في المدرجات لمراقبته.
كرة القدم تسخر من الجميع
لكن الحقيقة التي يعرفها عشاق اللعبة جيدا هي أن كأس العالم لا تحترم المنطق دائما. في المونديال، يمكن لتسديدة مرتدة أن تغيّر تاريخ أمة. ولبطاقة حمراء أن تسقط مشروعا بني لسنوات. ولركلة جزاء أن تحول بطلا إلى أسطورة أو إلى ذكرى مؤلمة. لهذا تبقى كل التوقعات مجرد رسائل في زجاجة تلقى في بحر الاحتمالات. فالخوارزميات قد تختار إسبانيا. والمحللون قد يفضلون فرنسا. والجماهير قد تراهن على الأرجنتين أو البرازيل. لكن كرة القدم، تلك الساحرة القديمة، تحتفظ دائما بحقها في الضحك على الجميع. وعندما تنطلق المباراة الافتتاحية، ستبدأ الحقيقة الوحيدة التي تعترف بها هذه اللعبة: أحد عشر لاعباً، كرة واحدة، وتسعون دقيقة قادرة على قلب العالم رأسا على عقب.
📲 Partager sur WhatsApp