عندما تصبح الموانئ فلسفة دولة

بقلم زكية لعروسي ,باريس

ثمة أمم تبني الموانئ لتستقبل السفن، وثمة أمم تبنيها لتستقبل المستقبل. والمغرب، وهو يعيد رسم سواحله من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط وصولا إلى الداخلة الأطلسية، لا يكدس الإسمنت فوق الشواطئ، بل يعيد كتابة فصل جديد من الجغرافيا السياسية للمتوسط وإفريقيا والمحيط الأطلسي. فما يجري اليوم ليس مجرد سباق بين أرصفة وحاويات ورافعات عملاقة، بل انتقال دولة كاملة من موقع العبور إلى موقع التأثير، ومن هامش الخرائط إلى قلبها النابض.

منذ قرون طويلة كان البحر المتوسط مسرحا لصراع الإمبراطوريات. الفينيقيون عبروا مياهه بحثا عن التجارة، والرومان اعتبروه بحيرتهم الخاصة، والعثمانيون والإسبان والبرتغاليون تنازعوا على ممراته. أما اليوم فإن معركة القرن الحادي والعشرين لا تدور حول المدافع والأساطيل، بل حول الموانئ وسلاسل الإمداد والطاقة والهيدروجين الأخضر والذكاء اللوجستي. لقد تغيرت أدوات القوة، لكن جوهرها لم يتغير. من يتحكم في طرق التجارة يتحكم في جزء من حركة العالم.

وهنا بالضبط تكمن عبقرية الرؤية المغربية. فبينما كان كثيرون ينظرون إلى المضيق باعتباره فاصلا بين ضفتين، كان المغرب يراه جسرا. وبينما كان البعض يرى في القرب من أوروبا قدرا جغرافيا، كان المغرب يحوله إلى فرصة استراتيجية. ولذلك لم يكن طنجة المتوسط مجرد مشروع مينائي، بل كان إعلان ميلاد فلسفة جديدة للدولة. فلسفة تقول إن الجغرافيا ليست مصيرا جامدا، بل رأسمال ينبغي استثماره. ولعل أكثر ما يثير الانتباه في بعض الخطابات القادمة من الضفة الشمالية للمتوسط أنها ما زالت تنظر إلى صعود المغرب الاقتصادي بعين القلق بدل عين الفهم. وكأن نجاح الجار لا يمكن أن يكون إلا خسارة للجار الآخر. وهي نظرة تعود إلى زمن كانت فيه العلاقات الدولية لعبة صفرية؛ إما أن أربح أنا أو تربح أنت. لكن العالم الجديد لا يعمل بهذه الطريقة. فالموانئ الحديثة لا تلغي بعضها بعضا، بل تتكامل داخل شبكات عملاقة من التدفقات التجارية واللوجستية.

إن الخوف من ميناء مغربي جديد يشبه الخوف من شروق الشمس فوق مدينة أخرى. فالنور لا يسرق النور، بل يوسع دائرة الضوء. وإذا كان ميناء الناظور غرب المتوسط يثير اليوم الكثير من النقاش، فلأن البعض ما زال يقرأ المستقبل بأدوات الماضي. فالمغرب لا يبني هذا المشروع ليحاصر أحدا، بل ليحرر إمكاناته هو. لا يسعى إلى خنق الموانئ الإسبانية، بل إلى توسيع موقعه داخل الاقتصاد العالمي. والفارق بين الأمرين هائل. لقد فهم المغرب مبكرا أن السيادة الحديثة لا تقاس فقط بالحدود والجيوش، بل أيضا بالموانئ والمطارات والكابلات البحرية ومحطات الطاقة وسلاسل القيمة الصناعية. ولهذا فإن ما يبدو في الظاهر مشروعا اقتصاديا هو في العمق مشروع سيادي متكامل. مشروع يربط الأمن بالتنمية، ويصل الجغرافيا بالاقتصاد، ويحول الموقع إلى نفوذ.

لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو أن المغرب لا يبني هذه القوة الجديدة في مواجهة أحد. فالرؤية المغربية، منذ سنوات، تقوم على فكرة مختلفة تماما عن منطق الصراع التقليدي. إنها رؤية تقوم على الشراكة بدل الاستقطاب، وعلى التكامل بدل الإقصاء. ولذلك تبدو العلاقة المغربية الإسبانية اليوم أكثر نضجا مما كانت عليه في مراحل كثيرة من التاريخ. فالأرقام تتحدث بلغة لا تعرف المجاملة. عشرات المليارات من اليوروهات في المبادلات التجارية، مئات الشركات الإسبانية المستثمرة في المغرب، وسلاسل إنتاج مشتركة تجعل من الصعب أحيانا التمييز بين ما هو مغربي وما هو إسباني داخل منتج واحد. لقد انتقل البلدان من منطق الجوار الجغرافي إلى منطق المصير الاقتصادي المشترك. وهنا نستحضر الفيلسوف الفرنسي إدغار موران الذي كان يرى أن أعظم أخطاء الفكر المعاصر هي عجزه عن فهم الترابط بين الظواهر. فما يبدو منفصلا في الظاهر يكون في العمق جزءا من منظومة واحدة. وهذا بالضبط ما يحدث بين المغرب وإسبانيا. فنجاح أحدهما لا يعني بالضرورة تراجع الآخر. بل قد يكون شرطا من شروط ازدهاره.

إن المثير في التجربة المغربية ليس فقط حجم المشاريع، بل انسجامها داخل رؤية متكاملة. طنجة المتوسط ليس جزيرة معزولة. والناظور غرب المتوسط ليس قرارا منفردا. والداخلة الأطلسية ليست مجرد ورش إضافي. كلها حلقات في تصور استراتيجي واحد ينظر إلى المغرب باعتباره منصة بين أوروبا وإفريقيا، وبين المتوسط والأطلسي، وبين الشمال الصناعي والجنوب الصاعد. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس إن كانت الموانئ المغربية ستنافس نظيراتها الأوروبية. فهذا أمر طبيعي في عالم الاقتصاد. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع ضفتا المضيق تحويل هذه المنافسة إلى منظومة مشتركة من الازدهار؟ التاريخ يقول نعم. والجغرافيا تقول نعم. والاقتصاد يقول نعم. أما الذين ما زالوا أسرى هواجس الماضي فهم وحدهم من يقول لا. لقد أدرك المغرب أن العالم يدخل عصرا جديدا تتراجع فيه أهمية الحدود أمام أهمية الشبكات. عصر تقاس فيه قوة الدول بعدد الممرّات التي تعبرها التجارة والطاقة والبيانات. ومن يفهم هذه الحقيقة مبكرا يربح عقودا كاملة من الزّمن.

وهكذا، بينما ينشغل البعض بالحديث عن المنافسة، ينشغل المغرب ببناء المستقبل. وبينما يرى البعض في الميناء تهديدا، يراه المغرب جسرا. وبينما يخشى البعض من صعود الجار، يراهن المغرب على أن ازدهار الجوار هو الطريق الأقصر إلى الاستقرار المشترك. إنها ليست قصة موانئ. وليست قصة تجارة. وليست حتى قصة اقتصاد. إنها قصة دولة قررت أن تكتب مكانها في العالم بحبر الجغرافيا وذكاء الاستراتيجية وصبر الحضارات. ولهذا فإن المغرب لا يمد يده إلى البحر بحثا عن مواجهة. بل يمدها إلى الأفق. حيث تتحول الموانئ إلى أفكار، والجغرافيا إلى قوة، والشراكة إلى قدر مشترك بين ضفتين كتب عليهما التاريخ أن تتجاورا، وكتب عليهما المستقبل أن يتعاونا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *