بقلم زكية لعروسي, باريس
هناك كلمات تُقال بالشفاه، وهناك كلمات تُبنى بالحجر والبشر والسياسات. وكلمة “مرحبا” من الكلمات التي لا يكفي أن تنطق، بل يجب أن ترى وتلمس وتعاش. منذ أربعة عقود تقريبا، تتحوّل عمليّة “مرحبا” كلّ صيف إلى أكبر ملحمة عبور بشرية بين قارتين. ملايين المغاربة يشدّون الرحال من مدن أوروبا نحو أرض الأجداد. سيارات محملة بالهدايا والحنين، أطفال يحملون أسماء أوروبية وقلوباً نصفها في باريس وبروكسيل وأمستردام، وآباء وأمهات يقطعون آلاف الكيلومترات ليجدّدوا بيعة وجدانية لوطن لم يغادرهم يوما، حتى عندما غادروه جسدا. لكن السؤال الذي صار يهمس به المغاربة في الخارج، ثم يرفعه بعضهم إلى مستوى الاحتجاج الصامت، هو: هل ما زالت “مرحبا” ترحيبا أم أصبحت مجرد عنوان إداري لعبور جماعي؟
فالترحيب الحقيقي لا يبدأ في الميناء ولا ينتهي عند ختم الجواز. الترحيب الحقيقي يبدأ عندما لا يتحول المغترب إلى زبون موسمي ترفع في وجهه الأسعار كما ترفع الأعلام في المناسبات. يبدأ عندما يجد فندقا لا يضاعف أثمنته لأنه عرف أن السيارة تحمل لوحة أجنبية. ويبدأ عندما يدخل مطعما لا يشعر فيه أن لهجته الفرنسية أو الهولندية أصبحت ضريبة إضافية على الفاتورة. ويبدأ قبل ذلك كله عندما يشعر أن الوطن لا يتذكره فقط في الصيف. لقد نجحت “مرحبا” في إدارة الأجساد العابرة، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في احتضان الأسئلة العميقة التي يحملها العابرون.
المغاربة المقيمون بالخارج ليسوا سائحين. وليسوا ضيوفا. وليسوا زوارا موسميين. إنهم جزء عضوي من المغرب نفسه. الضيف يعود إلى بيته. أما هم فيعودون إلى وطنهم. وهنا يكمن الفرق الفلسفي بين “الاستقبال” و”الانتماء”. الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر كان يقول إن الإنسان لا يحتاج فقط إلى مكان يسكنه، بل إلى مكان يشعر فيه أنه “مقيم وجوديا”. وهذه هي المعضلة التي تواجه أجيالا كاملة من أبناء الجالية: كيف يشعرون بالإقامة الوجدانية داخل وطن يعرف أسماءهم في الإحصاءات أكثر مما يعرف أحلامهم؟ المفارق أن الدولة تتحدث كثيرا عن أهمية الجالية، لكن أبناء الجالية يتحدثون كثيرا عن غياب الثقافة. وإذا كانت الطرق والجسور والموانئ تربط الأراضي، فإن الثقافة وحدها تربط الأرواح.

كم من طفل مغربي في أوروبا لا يستطيع كتابة رسالة قصيرة بالعربية إلى جده؟ كم من مراهق يعرف تاريخ الثورة الفرنسية أكثر مما يعرف تاريخ معركة وادي المخازن؟ كم من شاب يحمل الجنسية المغربية قانونياً لكنه يفتقد مفاتيح الذاكرة المغربية ثقافيا؟ هذه ليست مشكلة لغوية. إنها قضية سيادة حضارية. فالدول الكبرى تستثمر في أبنائها بالخارج كما تستثمر في البنية التحتية. الصين تفعل ذلك. الهند تفعل ذلك. إسرائيل فعلته لعقود. وإيرلندا حولت جاليتها إلى قوة ناعمة عالمية. أما نحن فما زلنا نتجادل حول السؤال الأول: من المسؤول عن الثقافة؟
وحين يخرج مسؤول ثقافي ليتحدث بحماسة عن أهمية الثقافة ثم يجيب بأن مراكز الثقافة الخاصة بمغاربة العالم “ليست من اختصاص وزارته”، فإننا لا نكون أمام مشكلة قانونية فقط، بل أمام مأساة رمزية. لأن الوطن، في المخيال الجماعي، لا يتجزأ إلى اختصاصات إدارية. الطفل المغربي في بروكسيل لا يهمه إن كانت الوزارة المختصة هي الثقافة أو الخارجية أو مؤسسة أخرى. هو يحتاج فقط إلى مكان يتعلم فيه لغة أمه. ويقرأ فيه تاريخ وطنه. ويتعرف فيه إلى موسيقاه وشعره وأساطيره.

لغويا، تأتي كلمة “مرحبا” من الرحب والسعة. والرحابة ليست مساحة جغرافية. إنها مساحة إنسانية. يمكن لميناء ضخم أن يكون ضيقا. ويمكن لغرفة صغيرة أن تكون رحبة. كل ذلك يتوقف على مقدار الكرامة التي يشعر بها الإنسان. الجاحظ، لو عاش بيننا اليوم، ربما لكتب فصلا جديدا في “البخلاء” عن أولئك الذين يوزعون خطابات الترحيب بسخاء، ثم يبخلون ببناء مدرسة ثقافية واحدة لأبناء الجالية. وربما كان سيضحك من هذا التناقض العربي العجيب: نحتفل بالعائدين حين يصلون، ثم ننسى أبناءهم حين يعودون إلى بلدان الإقامة. أما ابن خلدون فكان سيقرأ المسألة من زاوية أخرى. كان سيقول إن الدول لا تستمر بالقوة وحدها، بل بالعصبية الجامعة. وفي عصرنا لم تعد العصبية تعني القبيلة. بل تعني الهوية المشتركة. والهوية لا تورّث بالدم فقط. بل تصنع بالتعليم والثقافة والذاكرة.
ما الذي يريده مغاربة العالم؟ لا يطالبون بالمستحيل. لا يطالبون بخطابات جديدة. ولا بمهرجانات إضافية. ولا بملصقات أكبر تحمل كلمة “مرحبا”. إنهم يطالبون بشيء أكثر بساطة وأكثر عمقا: أن ينظر إليهم كشركاء لا كعابرين. أن تصبح الثقافة جزءاً من السياسات العمومية الموجهة إليهم. أن تنشأ مراكز ثقافية مغربية حقيقية في العواصم الكبرى. أن يتعلم أبناؤهم العربية والأمازيغية والتاريخ المغربي وفق رؤية حديثة. أن تتحول العلاقة من علاقة موسمية إلى علاقة يومية. في كل صيف تعبر ملايين الأقدام البحر نحو المغرب. لكن السؤال الحقيقي ليس كم شخصاً عبر المضيق. السؤال هو: كم روحا بقيت مرتبطة بالمغرب بعد العبور؟ فالطريق إلى الوطن لا يمر فقط عبر طنجة المتوسط أو الجزيرة الخضراء. الطريق إلى الوطن يمر عبر اللغة. وعبر الذاكرة. وعبر الثقافة. وعبر الأسرة. وعبر شعور الطفل المغربي في الخارج بأن المغرب لا يتذكره ثلاثة أشهر في السنة فقط. عندها فقط تصبح كلمة “مرحبا” أكثر من شعار. وتصبح وطنا كاملا.
a href=”https://wa.me/?text=Regarde cet article” target=”_blank”> 📲 Partager sur WhatsApp
كلام في الصميم، صرخة في وجه الفهم التقني ـ البيروقراطي للثقافة.
اللغة هي حامل الذاكرة التاريخ والمخيال والسر ديات المؤسسة لهذا الذي نسميه مشترك ـ نا، اي ” الهوية ـ الوطن” أو ” خيمة الإقامة” اللامادية، التي تسكن الفرد ويسكنها، خارج الجغرافيا.