بقلم زكية لعروسي, باريس
في السياسة لا تنتهي الحروب دائما بانتصار طرف وهزيمة آخر. أحيانا تنتهي لأن العالم نفسه يصبح مرهقا من حمل النعش فوق كتفيه. وحين تتحدث التقارير عن اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يتضمن وقفا للحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، وبدء مسار تفاوضي حول العقوبات والملف النووي، فإن الحدث يتجاوز حدود الخبر العاجل ليصبح مرآة تعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي. كأن التاريخ، ذلك العجوز الماكر الذي لا ينام، قرر أن يعيد ترتيب أوراقه فوق طاولة الشرق الأوسط. فمنذ الثورة الإيرانية سنة 1979 لم تكن العلاقة بين واشنطن وطهران مجرد خلاف بين دولتين، بل كانت مواجهة بين سرديتين للعالم؛ الأولى ترى نفسها حارسة للنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، والثانية تقدم نفسها باعتبارها ثورة دائمة ضد الهيمنة ومركزا لمشروع استقلالي يتجاوز حدود الدولة الإيرانية نفسها.
ومنذ ذلك الحين، بدا المشهد أشبه برواية روسية طويلة. أبطالها يتغيرون، لكن العقدة تبقى ذاتها. رؤساء أمريكيون يأتون ويرحلون، ومرشدون وقادة إيرانيون يتعاقبون، بينما يستمر السؤال الكبير معلقا فوق مياه الخليج: هل يمكن للعداء أن يتحول إلى تفاهم دون أن يفقد أي طرف صورته أمام جمهوره؟ لقد كان مضيق هرمز دائما أكثر من مجرد ممر بحري. إنه شريان رمزي تتدفق عبره ليس فقط ناقلات النفط، بل أيضا مخاوف العالم وأحلامه. وكلما اهتزت مياهه ارتجفت البورصات، وارتفعت أسعار الطاقة، وشعرت العواصم البعيدة بأن نار الشرق الأوسط قادرة على الوصول إلى غرف نومها. ولهذا فإن الحديث عن إعادة فتح المضيق لا يمثل انتصارا لاقتصاد معين بقدر ما يمثل اعترافا جماعيا بحقيقة جيوسياسية قديمة: العالم المعاصر، مهما ادعى الاستقلال، ما زال مرتبطا بخيوط دقيقة تمر عبر هذه الرقعة الصغيرة من الجغرافيا.

أمّا الملف النووي، فهو في جوهره ليس ملفا تقنيا يتعلق بأجهزة الطرد المركزي أو نسب تخصيب اليورانيوم. إنّه صراع حول المكانة والاعتراف والردع. فالدّول لا تسعى فقط إلى امتلاك القوة، بل إلى امتلاك صورة القوة. وهنا تكمن المعضلة التي تحدث عنها الفيلسوف هيغل حين اعتبر أن التاريخ تحركه الرغبة في الاعتراف أكثر مما تحركه المصالح المجردة. إيران لا تريد فقط رفع العقوبات. إنها تريد اعترافا بدورها الإقليمي ومكانتها الحضارية. والولايات المتحدة لا تبحث فقط عن تجميد برنامج نووي، بل عن إعادة تشكيل توازنات المنطقة بطريقة تمنع ظهور قوة قادرة على تهديد هندسة النفوذ التي بنتها طوال عقود.
لكن المفارقة العجيبة أن الطرفين يحتاج أحدهما إلى الآخر أكثر مما يعترفان بذلك علنا. فإيران تحتاج إلى متنفس اقتصادي يخفف الضغوط الاجتماعية ويعيد الحياة إلى شرايين الاقتصاد. وواشنطن تحتاج إلى استقرار يتيح لها التركيز على منافسات أكبر في آسيا والمحيط الهادئ، حيث يتشكل القرن الحادي والعشرون تحت ظلال الصعود الصيني. ومن زاوية سوسيولوجية، فإن العقوبات الاقتصادية لم تكن مجرد أدوات ضغط على الدولة الإيرانية، بل تحولت إلى عامل أعاد تشكيل المجتمع نفسه. فقد ولدت طبقات اقتصادية جديدة، وغيرت أنماط الاستهلاك، وأعادت تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. وفي المقابل، صنعت لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين شعورا مزدوجا بالحصار والكبرياء، وهو مزيج سياسي شديد التعقيد. أمّا إسرائيل، التي تنظر إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأكبر، فتجد نفسها أمام معادلة صعبة. فهي تدرك أن أي اتفاق لا يبدد بالكامل القدرات الإيرانية سيظل ناقصا من منظورها الأمني. ولذلك قد لا يكون الاتفاق نهاية للأزمة، بل بداية لمرحلة جديدة من إدارة التوتر بأدوات مختلفة.

وفي العمق، لا يتعلق الأمر بإيران وحدها. فالعالم كله يعيش لحظة انتقال تاريخية. النظام الذي ولد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي لم يعد قادرا على فرض منطقه القديم بنفس السهولة. والصين وروسيا والقوى الإقليمية الصاعدة تفرض معادلات جديدة. لذلك يبدو الاتفاق، إن استقرت بنوده وتحولت إلى واقع، جزءا من عملية أوسع لإعادة توزيع النفوذ في عالم لم يعد أحادي القطب. وقديما قالت الحكمة العربية: “إذا اشتبكت الفيلة تضررت الأعشاب، وإذا تصالحت اقتسمت المراعي.” وبين الحرب والتسوية، كان الشرق الأوسط لعقود هو تلك الأعشاب المنسية تحت أقدام العمالقة. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لأي اتفاق لا تكمن في الصور التذكارية ولا في البيانات الدبلوماسية، بل في قدرته على حماية الشعوب من أن تصبح وقودا دائما لصراعات الآخرين. إن السؤال الأهم ليس من انتصر ومن خسر، بل ما إذا كانت المنطقة قد بدأت أخيرا تدرك أن الحروب الحديثة لم تعد تصنع أمجادا بقدر ما تصنع خرائب. فربما يكون أعظم انتصار سياسي هو ذلك الذي يجعل الجميع يتراجع خطوة واحدة قبل السقوط في الهاوية. يبدو المشهد وكأن التاريخ أطفأ مؤقتا أحد حرائقه الكبرى. لكن النار لم تنطفئ بالكامل بعد. لقد انتقلت فقط من ساحات المعارك إلى طاولات التفاوض، حيث تخاض الحروب الأكثر هدوءا والأكثر تعقيدا والأكثر تأثيرا في مصير الأمم.
📲 Partager sur WhatsApp