لقاح يعلّم الجسد كيف يهزم السرطان

. من يكتب نهاية الوحش الذي يسكننا؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير -باريس

ثمة انقلاب صامت يحدث في مختبرات العلم، كأن الإنسان قرر أخيرا ألا يكتفي بمطاردة الموت، بل أن يتعلم لغته، وأن ينتزع من الخلايا المتمردة سرها الذي طالما أفلت من أعين الحراس. لم يعد السرطان عدوا يختبئ في عتمة الجسد فحسب، بل صار رسالة بيولوجية يحاول العلماء فك شيفرتها، وتحويلها إلى دليل يقود المناعة نحو هدفها. هنا، لا يكتفي الطب بإطلاق النار على الوحش، بل يحاول أن يمنح الجسد القدرة على التعرف إلى وجهه. أظهرت تجربة سريرية دولية من المرحلة الثالثة، شملت 1137 مريضا مصابين بالميلانوما عالية الخطورة، نتائج واعدة للقاح علاجي شخصي بتقنية الحمض النووي الريبي المرسال، طورته موديرنا بالتعاون مع ميرك. وعند دمجه مع العلاج المناعي، انخفض خطر الانتكاس أو الوفاة بنسبة 42 في المائة مقارنة بالعلاج المناعي وحده. وبعد عامين من المتابعة، لم تسجل انتكاسة لدى 82 في المائة من المرضى الذين تلقوا العلاجين، مقابل 70 في المائة لدى المجموعة التي تلقت العلاج المناعي وحده.

لكن أين يكمن الفرق بين اللقاح والعلاج المناعي؟ هنا تبدأ الحكاية الأكثر إدهاشا. فاللقاح العلاجي الشخصي لا يشبه اللقاحات التقليدية التي تقي من عدوى قبل حدوثها؛ إنه يصمم انطلاقا من الطفرات الجينية الخاصة بورم المريض، ويحمل إلى الخلايا تعليمات تساعد جهاز المناعة على التعرف إلى العلامات المميزة للخلايا السرطانية. إنه، في استعارة أقرب إلى الخيال، يوزع صورا دقيقة للعدو على حراس المدينة، كي لا يظلوا يطلقون سهامهم في الظلام. أما العلاج المناعي، فليس بالضرورة أن يقدم تلك الصور، بل يعمل على تسخير دفاعات الجسم أو تحريرها من الآليات التي تعطل قدرتها على مهاجمة الورم. فبعض الأدوية المناعية، مثل مثبطات نقاط التفتيش المناعية، ترفع المكابح التي تستخدمها الأورام للتهرب من الخلايا المناعية. وإذا كان اللقاح يساعد المناعة على معرفة الهدف، فإن العلاج المناعي يساعدها على استعادة قدرتها على المواجهة. الأول يقدم إحداثيات أكثر تخصيصا، والثاني يزيل بعض الحواجز التي تعوق الهجوم. وعندما يلتقي التعرف إلى العدو مع تحرير القوة الكامنة، قد تصبح المعركة أكثر دقة وفاعلية.

غير أن هذه الثورة لا تمنحنا الحق في إعلان نهاية السرطان. فخفض خطر الانتكاس أو الوفاة بنسبة 42 في المائة لا يعني شفاء 42 في المئة من المرضى، كما أن النتائج الواعدة لا تعني أن اللقاح أصبح علاجا نهائيا أو مناسبا لكل الأورام. فما زالت هناك أسئلة تتعلق بمدة الحماية، والآثار الجانبية، وإمكان تعميم النتائج على سرطانات أخرى. وما ينجح في مواجهة الميلانوما قد يصطدم بأسرار مختلفة في أورام أخرى. وثمة سؤال لا يقل أهمية عن السؤال الطبي: هل ستصبح هذه العلاجات الشخصية متاحة لكل مريض، أم ستتحول القدرة على النجاة إلى امتياز تحكمه الثروة والجغرافيا؟ فالعلم الذي يفك الشيفرة الجينية للورم مطالب أيضا بألا يجعل كلفة قراءتها حاجزا بين الإنسان والحياة.

ربما لا يكون أعظم ما يحققه هذا الاكتشاف أنه يقترب من هزيمة السرطان، بل أنه يغير طبيعة العلاقة بين الجسد وعدوه. للمرة الأولى، لا تبدو المناعة مجرد جيش يستجيب للخطر، بل ذاكرة يمكن تدريبها، ومعرفة يمكن توجيهها، وقوة يمكن تحريرها. ومع ذلك، يبقى الفاصل بين الأمل والحقيقة هو الاختبار العلمي، لا نشوة العناوين. نحن لا نعلن موت الوحش، بل نكتشف ملامحه على نحو أدق. وربما تكون بداية الانتصار الحقيقي حين يتوقف الجسد عن محاربة ما لا يفهمه، ويبدأ في التعرف إلى عدوه باسمه، قبل أن يترك له فرصة أخرى للاختباء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *