بقلم زكية لعروسي, باريس
ا
.في لحظة يبدو فيها العالم كمن يحاول إطفاء حريق بالزيت، صادق البرلمان الفرنسي على ما سمّي بـ«الإلزام بالفحص النفسي» كأداة استباقية لمواجهة الإرهاب. فكرة تبدو، في ظاهرها، عقلانية: إذا كان الخطر قد ينمو في العقول، فلنفتّش العقول. لكن ما إن نقترب قليلا، حتى نكتشف أننا أمام مفترق فلسفيّ عميق، لا يقلّ تعقيدا عن الإرهاب نفسه. القانون الجديد يمنح السلطة الإدارية -لا القضائية- حق دفع الأفراد إلى الفحص النفسي إذا اجتمع شرطان: أفكار متطرفة مع سلوك يشتبه بارتباطه باضطراب نفسي. وهنا يبدأ الانزلاق. منذ متى كانت الفكرة جريمة؟ ومنذ متى أصبح الطبيب النفسي حارسا على حدود السياسة؟ الفيلسوف ميشال فوكو الذي فكّك العلاقة بين السلطة والمعرفة، كان سيبتسم ابتسامة مريرة: لقد عادت الدولة، بشكل أكثر أناقة، لتعيد تعريف “الجنون” بما يخدم النظام. ليس الجنون مرضا فقط، بل انحراف عن المقبول.
الإرهاب، في جوهره، ليس مرضا نفسيا. إنه بناء إيديولوجي، سياسي، وهوياتي. ربطه بالطب النفسي قد يبدو حلا سريعا، لكنه في الحقيقة:
– تبسّط ظاهرة معقدة إلى تشخيص سريري
– يحمّل المرضى النفسيين وصمة إضافية
– ويخلق وهم السيطرة: كأننا نستطيع “فحص” الخطر قبل أن يولد
هنا يتردد صدى المثل الشعبي: “شحال قدّك من لا إله إلا الله يا البايت بلا عشا” أي كم من كلمات عظيمة تقال… بينما الواقع جائع للحلول الحقيقية. ففي أوقات الخطر، تميل الدول إلى توسيع أدواتها. ليس لأنها شريرة، بل لأنها خائفة. لكن الخوف، حين يتحول إلى سياسة، ينتج قوانين تشبه المتاهات: تدخلها بنية الحماية، وتخرج منها وقد فقدت شيئا من حريتك. السلطة هنا لا تقول: “سنعاقب الفعل”، بل: “سنفحص الإمكانية.” وهذا تحوّل خطير، لأنه ينقلنا من عالم العدالة إلى عالم الاحتمال. من محاسبة ما حدث… إلى مراقبة ما قد يحدث.

لو استحضرنا إبن رشد، لوجدناه يدافع عن العقل بوصفه أداة فهم، لا أداة قمع. أما مارتن هيدغر فكان سيذكّرنا بأن القلق هو جزء من الوجود الإنساني، لا حالة مرضية يجب إخضاعها للفحص. ما يحدث اليوم هو محاولة تطبيب القلق السياسي. تحويل أزمة اجتماعية إلى ملف طبي. كأن الدولة تقول: “إذا لم نفهم الظاهرة، فلنشخّصها.” الإرهاب لا يهزم بالفحوص النفسية، بل بـ:
– سياسات إدماج حقيقية
– تفكيك الخطابات المتطرفة
– معالجة التهميش والاغتراب
– والعمل الاستخباراتي الدقيق
أما القوانين التي تخلط بين الفكر والمرض، فهي تشبه من يضع مرآة أمام النار ويظن أنه أطفأها. وكأننا قارئي الكريم, أمام مشهد يكاد يكون روائيا:
دولة تبحث عن الأمن في عيادة نفسية، وطبيب يطلب منه أن يقرأ السياسة في نبض المرضى، ومواطن قد يجد نفسه بين سؤالين: “ماذا تفكر؟” و”هل أنت سليم؟” في هذا العالم ، تختلط الحدود: بين العقل والسلطة، بين الخوف والقانون، بين الوقاية والانزلاق. ويبقى السؤال، كحكمة شعبية أخرى تتسلل من عمق الحياة: اللي يخاف من العفريت يطلع لو.””.فهل نحن أمام سياسة تحمي المجتمع…أم أمام خوف يصنع ما يخشاه؟

أو لما تجثم فواعل السلطة على الضماءر من أجل التحسس النوايا حتى، وكأن الإنسان سار كافكاويا: التهمة قبلية وعليك ان تثبت براءتم وحسن السلوك و السريرة . هكذا تتكلم تشريعات دولة الأنوار التي أمست مظلمة.