الحصانة في قصر الإليزي : درع أم قناع؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في قلب قصر الإليزي، حيث تصاغ القرارات بلغة هادئة تخفي صخب الدولة، اصطدمت العدالة بجدار غير مرئي. لم يكن بابا مغلقا فحسب، بل كان فكرة دستورية تقول: هنا، تبدأ منطقة لا تشبه باقي البلاد. مُنع القضاة من دخول قصر الإليزي، لم يكن ذلك مجرد قرار إداري، بل لحظة كاشفة: هل يمكن للدولة أن تُفتّش نفسها؟ السلطة التنفيذية، ممثلة في الرئاسة، استندت إلى النص 67 من الدستور الفرنسي، ذلك النص الذي يمنح الرئيس حصانة خلال ولايته. لكنه، كما هو شأن النصوص الكبرى، لا يقول كل شيء. بل يترك فراغات تملأ بالتأويل… أو بالصراع.

الحصانة الرئاسية لم تخلق لحماية الجدران، بل لحماية الوظيفة. الفكرة بسيطة في ظاهرها: لا يمكن لرئيس الدولة أن يشَلّ بمتابعات قضائية أثناء أداء مهامه.لكن ما حدث هو قفزة تأويلية جريئة: من حماية الشخص… إلى حماية المكان. من حصانة الرئيس… إلى “قدسية” القصر. هنا، يتحول القانون إلى ما يشبه المرآة السحرية: كل طرف يرى فيه ما يخدم موقعه.

القضاة، الذين يمثلون سلطةً لا تقل شرعية، وجدوا أنفسهم أمام معادلة غريبة: لديهم إذن بالتفتيش… لكن ليس لديهم مفتاح الدخول. في تاريخ فرنسا، لم تكن هذه أول مرة. في قضايا سابقة، من زمن جاك شيراك إلى قضية ألكسندر بنعلله، ظهرت نفس الإشكالية: أين تنتهي الحصانة… وأين تبدأ المحاسبة؟

اللافت أن النظام لا يحسم هذا التوتر، بل يديره. فبدل المواجهة المباشرة، تفتح “قنوات تعاون”: وثائق تسلّم، معلومات تنتقى، والباب يبقى… مواربا. إنه توازن دقيق، يكاد يكون مسرحيا:

– العدالة تُظهِر أنها حاضرة

– السلطة تُظهر أنها محمية

– والحقيقة… تتسلل بينهما

لو استعرنا من توماس هوبز، إن الدولة هي “الليفياثان”…كائن ضخم، يحتاج إلى هيبة ليبقى. أما مونتسكيو فكان سيذكّرنا بأن فصل السلطات لا يعني انفصالها التام، بل توازنها. ما نراه هنا هو لحظة اختلال خفيف في هذا التوازن: حين تقترب العدالة كثيرا… تتراجع السياسة خطوة. وحين تتمدد السياسة… تبحث العدالة عن ثغرة. فهل الأمر معقد فعلا؟ نعم، لكنه أيضا بسيط بشكل مقلق: لا أحد يريد كسر الباب، لأن ذلك سيخلق أزمة دستورية, ولا أحد يريد التراجع، لأن ذلك يضعف هيبة الدولة فنحن أمام معادلة مستحيلة: دولة تريد أن تكون شفافة… دون أن تعرّي نفسها.

القضية لا تكمن في تفتيش قصر، بل في سؤال أعمق: هل يمكن للديمقراطية أن تقبل بوجود مساحةٍ لا تصلها يد العدالة؟ في قصر الإليزي، الباب لم يكسر… لكنه لم يفتح أيضا. وبين الإغلاق والمواربة، تعيش الجمهورية واحدة من أكثر مفارقاتها أناقة وخطورة: أن تكون قوية بما يكفي لتحمي نفسها…لكن ليست شفافة بما يكفي لتُحاسِب نفسها بالكامل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *