النظرية التيكتوكية للقبح المسائي

بقلم زكية لعروسي، باريس

الساعة السادسة مساء. ترفع رأسك من شاشة الكمبيوتر. تنظر إلى المرآة الصغيرة التي تخبئها في درج مكتبك. فتصعق. هذا الوجه الذي تراه — من يكون؟ الصباح، قبل تسع ساعات فقط، كان هناك شخص آخر: بشرة نضرة، عينان لامعتان، شعر منتفش كغيمة أبريل. والآن؟ وجه متعب، هالات سوداء كأنها بصمات حبر، بشرة دهنية كأنها قُدِّدت من شحم. من فعل هذا بك؟

تيك توك، تلك الرواية الشفاهية الجديدة للعصر، وجدت اسما للشيطان: “نظرية هواء المكتب”. نعم. الهواء الذي تتنفسه بين الساعة التاسعة والسادسة… الهواء المكيف، المعاد تدويره، البارد كقبر في القطب الشمالي… هذا الهواء، حسب الملايين من الفيديوهات، هو الذي يسرق جمالك. لكن هل هذه حقيقة؟ أم أنها أسطورة جميلة اخترعناها لأننا لم نعد نحتمل النظر في المرآة؟

قبل أن نخوض في هواء المكتب، علينا أن نتذكر شيئا نسيه أبطال تيك توك في حماسهم: الجمال ليس مادة في الهواء. التراث العربي، ذلك البحر العميق من الحكمة، لم يعتبر الجمال أبدا شيئا يضاف أو يُنتزع مثل عطر يتبخر كما تقول أمي خيرة “واللي زين من عند الله”. الجمال، في ثقافتنا، هبة و أمانة و فتنة. يقول الله في محكم آياته: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” (التين، 4). أي أن الإنسان خرج من يد الخالق في قمة الجمال. والتغيرات التي تطرأ عليه – التجاعيد، الشحوب، الكِبر – هي سنة الحياة، لا مؤامرة من مكيف هواء. والحديث النبوي: “إن الله جميل يحب الجمال” يذكرنا أن الجمال صفة إلهية. والله لا يمنح شيئا ثم يسحبه عبر فتحات التهوية في مكاتب الشركات. أما المتنبي، في أبياته الخالدة:

“وما زينة المرء إلا عقله~~~~~والحسن يبقى زمانا ثم يندثر”

فهو يقرر بكل وضوح: الجمال الجسدي زائل. ومحاولة تثبيته أو إلقاء اللوم على “الهواء” هي وهم.

— قد يكون الجمال كما في الفلسفة قصة الخداع الجميل. فأفلاطون يقول: الجمال في العين لا في الهواء فهاالفيلسوف اليوناني أفلاطون، الذي تأثرت به الفلسفة العربية عبر الكندي والفارابي، قال إن الجمال فكرة وليس مادة. الجمال الحقيقي لا يراه الجسد بل الروح. فإذا كنت تشعر بأنك “أصبحت قبيحا” في المساء، فربما لأن روحك تعبت. والهواء لا علاقة له بذلك.أما أرسطو، تلميذه، فقال إن الجمال هو النظام والتناسب. وهذان لا يتغيران بتغير الهواء. وجهك الذي كان متناسقا الصباح يبقى متناسقا المسا, لكن عينيك تراه مختلفا لأن نظرتك تغيرت. وهنا يكمن السر: نحن لا نرى وجوهنا كما هي. نراها كما نشعر.

لماذا نحتاج إلى هذه الأسطورة؟ أهي تسلية القبح: أن نجد عدوا؟ لماذا آمن الملايين بهذه النظرية رغم أن كل طالب طب يعرف أنها سخيفة؟ ربما لأننا نحتاج إلى عدو. التراث العربي مليء بقصص “العين” و”الحسد” و”السحر”. كان الناس يلقون باللوم على الجن أو على الحاسدين عندما تسوء أمورهم. اليوم، لم يعد الجن موضة. فجاء “هواء المكتب” ليحل محلهم. إنها حكاية تسلية، كما كانت حكايات ألف ليلة وليلة تسلية للخليفة الذي لا ينام. الجاحظ، في كتابه “البيان والتبيين”، قال: “الناس أعداء ما يجهلون”. ونحن نجهل لماذا نتعب ونذبل خلال النهار. فاخترعنا عدوا نعرفه: الهواء.

الجمال والهواء وقبح المساء

4. القهوة، الكافيين، والتجاعيد

الغريب أن الأطباء الذين استمعوا إلى “النظرية” ابتسموا بلطف وأجابوا: “لا، ليس الهواء. إنها ساعتك البيولوجية. الجفاف. القهوة التي شربت منها ستة فناجين. الضوء الفلوري الذي يحاكي نهار القطب الشمالي. والجلوس لساعات على كرسي لا يليق بظهر الإنسان.” لكن هذه إجابات قبيحة. لأنها تحملك المسؤولية. نظرية هواء المكتب أجمل لأنها تقول: “أنت ضحية. أنت مظلوم. الهواء هو الذي خانك.”

أنا لا أقول إن أتباع “هواء المكتب” مجانين. ربما هم شعراء لم يعرفوا أنهم شعراء. فالحقيقة التي تختبئ تحت الأسطورة هي:

المكتب يقتل الجمال. ليس بهوائه. بل بحياته. المكتب مكان لا يحب الجمال. يحب الإنتاجية، السرعة، الدقة. الجمال يحتاج إلى وقت، إلى ضوء طبيعي، إلى تنفس عميق. المكتب لا يعطي شيئا من هذا. لذا عندما تقول الفتاة: “هواء المكتب يجعلني قبيحة”، فهي في الحقيقة تقول: “المكتب يسلبني روحي. والتعب يظهر على وجهي. ولأنني لا أستطيع ترك وظيفتي، سألقي باللوم على الهواء. لأنه على الأقل لا يرد.”

واحدة من أكثر التعليقات ظرافة على النظرية كانت: “ليس الهواء. إنها رائحة زميلك الذي لا يستحم.” هذا تعليق مضحك لكنه عميق. لأن الهواء في المكتب ليس فارغا. إنه مملوء بأنفاس الآخرين، تعبهم، قلقهم، غضبهم المكبوت، عطرهم الرخيص، وجباتهم السريعة. أنت لا تتنفس هواء. أنت تتنفس الآخرين. و”الآخرون” – بصدقهم وحقدهم ومللهم – هم من يجعلك تبدو أقل جمالا. ليس لأنهم يفعلون شيئا. بل لأن الوجود مع البشر يرهق. والإرهاق لا يصنع وجوها جميلة.

لنكن صرحاء. “واللي زين من عند الله” تعني أن الجمال الأساسي – ذلك الذي خلقك الله به – لا تمسه رياح الدنيا. أنت جميل في الصباح. أنت جميل في المساء. الفرق أنك في المساء ترى وجهك بعين متعبة، فتحكم عليه بالقسوة. نظرية هواء المكتب ليست حقيقة علمية. لكنها حقيقة شعرية. تقول لنا: المكان الذي نقضي فيه نصف حياتنا مؤذ لنا. ليس فقط لأجسادنا، بل لأرواحنا.

المشكلة ليست في الهواء. المشكلة أننا نقبل بالعمل في أماكن تجعلنا نكره مرآتنا. المشكلة أننا نلقي باللوم على المكيف بدلا من أن نطالب بحياة تجعلنا جميلين من الداخل والخارج. فلنتذكر قول الشافعي:

“تعصي الإله وأنت تظهر حبه~~~~هذا لعمري في القياس شنيع

لو كان حبك صادقا لأطعته~~~~إن المحب لمن يحب مطيع”

ونحن، إذا كنا نحب جمالنا حقا، لن نلقي باللوم على الهواء. سنغير الأماكن التي تسلبنا إياه. هذا المقال نشر في جريدة “الورقاء” من مكان لا توجد مكيفات هواء في مكتب رئيسة التحرير لأنها تؤمن أن الحرية أجمل من البرودة، والصدق أجمل من الراحة. وما زيّن المرء إلا قلبه.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “النظرية التيكتوكية للقبح المسائي

  1. الاوهام لما يتم تكرارها وتناقلها الى ما نهاية وكأنها بداهات، تتحول الى حقائق. بحجة أن وراءها قطيع. وعصير التقنية هيأ الفواعل من أجل اللامعنى واللافكر، فقط البهامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *