من فسح الصيف: بقلم الكاتب والصحافي عبد الله شوكا – المغرب
للمغاربة عادة عجيبة، فهم لا يتركون حادثة تمر كما تمر الريح، بل يضعونها في قدر الغناء، ويطبخونها على نار الذاكرة حتى تصبح عيطة، ثم يورثونها للأحفاد كما يورثون الأرض والمفتاح وجرن الزيتون. وكأن التاريخ عندهم لا يكتب بالحبر، بل يردد بالأصوات، ولا يحفظ في الرفوف، بل في الحناجر. فالمغاربة قوم إذا ضحكوا غنوا، وإذا بكوا غنوا، وإذا تشاجروا غنوا، وإذا وقع أمر جلل جعلوا له لازمة موسيقية لا تموت، حتى يصبح صاحب القصة أشهر من صانعها. ومن بين تلك الأغاني التي استوطنت ذاكرة جيل الستينيات والسبعينيات، تبرز أغنية “ميلودة بنت إدريس”، تلك العيطة التي كانت تتسلل إلى البيوت عبر جهاز “التورن ديسك”، يوم كان القرص الأسود سيد المجالس، وحين كان الأطفال يحفظون الكلمات قبل أن يعرفوا معناها، ويرددونها ببراءة، ثم يكبرون وهم يتساءلون: من تكون ميلودة بنت إدريس؟ وهل كانت امرأة من لحم ودم، أم بطلة خرجت من رحم الأساطير؟
سنوات طويلة مرت، وخفت صوت الأغنية حتى حسبها الناس من مقتنيات الزمن الجميل، قبل أن يعيد إليها الحياة شيوخ العيطة، وفي مقدمتهم مجموعة أولاد البوعزاوي، فعادت تتردد في الأعراس والسهرات، وكأنها خرجت لتوها من ذاكرة الأمس. غير أن الحكاية، كما هي عادة الحكايات الشعبية، تقف في منتصف الطريق بين الحقيقة والأسطورة. فهناك من يؤكد أنها واقعة حقيقية تناقلها الناس جيلا بعد جيل، وتحكي عن امرأة تدعى ميلودة بنت إدريس، قصدت ذات يوم إحدى غابات ابن سليمان لتلتقي بمن أحبته. وفي غمرة اللقاء، تركت طفلها الصغير سعيد يلعب غير بعيد، مطمئنة إلى أن الأشجار لا تؤذي أحدا. لكن الغابة، كما يقول القدماء، لا تمنح الأمان لمن يثق فيها أكثر مما ينبغي. فهي دار الطيور حين تغرد، ودار الذئاب حين تجوع. ولما عادت ميلودة تبحث عن صغيرها، لم تجد سوى الفاجعة. فقد سبقها الذئب إليه، واختطف من الحياة طفلا لم يكن يعرف من الدنيا إلا خطواته الأولى. ومن رحم تلك المأساة خرجت كلمات الأغنية التي لا يزال كثيرون يرددونها إلى اليوم:
ميلودة بنت إدريس أميلودة داوها البوليس أميلودة ميلودة يا بنتي آش هاد الشي اللي درتي ميلودة فين خليتي ولدك سعيد
وسواء كانت القصة حقيقة كاملة، أو امتزج فيها الواقع بخيال الرواة، فإن الأغنية ظلت أقوى من الزمن. فالأغنية الشعبية لا تبحث عن شهادة ميلاد ولا عن محضر شرطة، وإنما تبحث عن مكان في وجدان الناس، فإذا وجدته عاشت أكثر مما يعيش أصحابها. ولذلك بقيت “ميلودة بنت إدريس” حاضرة في الذاكرة المغربية، لا لأنها مجرد لحن جميل، بل لأنها تختزل حكاية إنسانية مؤلمة، وتحمل في طياتها رسالة خفية مفادها أن لحظة غفلة قد تفتح باب ندم لا يغلق. وهكذا يظل التراث الشعبي المغربي كتابا مفتوحا، صفحاته ليست من ورق، وإنما من أصوات الشيوخ والشيخات، وحبره ليس مدادا، بل دموع وفرح وحكايات، وكلما ظن الناس أنهم أغلقوا إحدى صفحاته، انبعث منها صوت قديم يقول: “ما زلت هنا… لم يمت الغناء، لأن الذاكرة المغربية لا تشيخ.”