بقلم زكية لعروسي, باريس
في بعض المحاكمات، لا يحاكم الرجال وحدهم، بل تحاكم الأزمنة نفسها. وحين جلس نيكولا ساركوزي أمام قضاة باريس، لم يكن المشهد مجرد فصل قضائي عابر في جمهورية اعتادت فضائح السلطة، بل بدا كأن الجمهورية الفرنسية نفسها قد دخلت غرفة التحقيق وهي تجرّ خلفها قرنين من أساطير الدولة الحديثة: أسطورة النقاء الجمهوري، وأسطورة رجل الدولة، وأسطورة الديمقراطية التي تدّعي البراءة بينما ترتدي قفازات النفط والمال والدم. هذه القضية ليست فقط قضية تمويل ليبي مفترض. إنها رواية كاملة عن “المنطقة الرمادية” التي تعيش فيها السياسة الحديثة؛ تلك المنطقة التي لا يعود فيها الفرق واضحا بين الدولة والعصابة، بين الدبلوماسية والمقايضة، بين الأمن والأطماع، بين الولاء والخيانة.
السياسة هنا لا تظهر كفنّ للحكم، بل كعلم لإدارة الظلال. لقد بدا كلود غيو في قلب هذا المشهد كرجل يحمل مفاتيح الأبواب الخلفية للقصر، يعرف الممرات السرية للدولة العميقة، ويعرف أيضا أن الأنظمة حين تهتزّ تبحث دائما عن جسد ثانوي لتلقيه في النار كي ينجو المركز. وهنا بالتحديد تظهر قسوة السياسة. فالسلطة لا تقتل خصومها فقط؛ أحيانا تلتهم أبناءها الأكثر إخلاصا. في لحظة ما، تحوّل الرجل الذي كان “الصندوق الأسود” للرئاسة إلى عبء دفاعي. ومن أكثر الصور قسوة في هذه المحاكمة أن الغياب الجسدي لغيو بسبب المرض أصبح حضورا رمزيا كثيفا؛ رجل يحتضر سياسيا وبيولوجيا في الوقت ذاته، بينما يتحول صمته إلى ساحة مفتوحة لإعادة توزيع المسؤوليات. إن ما قاله محاميه لم يكن مجرد مرافعة قانونية، بل كان تشريحا فلسفيا لبنية السلطة الحديثة: “الرقم 2 يفعل ما يقوله الرقم 1.” جملة تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تفتح الباب على سؤال رهيب: هل يمكن أصلا أن توجد “طاعة بريئة” داخل أنظمة الحكم؟ أم أن كل قرب من السلطة هو اشتراك ضمني في خطاياها المستقبلية؟

السياسة، في جوهرها العميق، ليست عالما أخلاقيا. إنها هندسة للمصالح، ورياضيات للقوة، وكيمياء دقيقة للخوف.
ولهذا لا توجد فيها صداقات دائمة، بل فقط تحالفات مؤقتة بين طموحات متوحشة. لقد كشف هذا الملف شيئا أعمق من مجرد شبهات فساد. كشف التحول البنيوي الذي أصاب الديمقراطيات الغربية نفسها؛ حيث لم تعد الحملات الانتخابية مجرد منافسة أفكار، بل صارت حروبا مالية عابرة للقارات، تتشابك فيها أجهزة الاستخبارات مع شركات السلاح والنفط والبنوك وشبكات النفوذ الدولية.
في هذا العالم، يصبح المال الأسود لغة جيوسياسية. ولم يكن نظام امعمر القذافي مجرد ديكتاتورية شرق أوسطية تبحث عن نفوذ في أوروبا، بل كان لاعبا يفهم جيدا هشاشة الديمقراطيات الغربية أمام الإغراء المالي. القذافي لم يكن يشتري سياسيين فقط؛ كان يشتري إمكانية الدخول إلى المسرح الغربي من الباب الخلفي. وهنا تكمن المفارقة المرعبة: الديمقراطيات التي بشّرت العالم بالأخلاق السياسية كانت، في الخفاء، تتفاوض مع أكثر الأنظمة وحشية حين تتقاطع المصالح.
إن القضية تتجاوز ساركوزي وغيره. إنها قضية “الجمهورية المتعبة”، تلك الجمهورية التي ما تزال تتحدث بلغة فولتير بينما تتحرك أحيانا بمنطق مكيافيلي عار. في هذا النوع من الملفات، لا توجد براءة كاملة ولا إدانة كاملة. هناك فقط درجات متفاوتة من العتمة. ولهذا يبدو المشهد أشبه بمسرحية يونانية متأخرة؛ رجال دولة سابقون يسقطون الواحد تلو الآخر تحت ثقل الأسرار القديمة، بينما تقف العدالة مثل كاهن عجوز يحاول عبثا إعادة النظام إلى عالم خرج منذ زمن من يد الآلهة. لكن الأخطر في كل هذا ليس احتمال وجود التمويل الليبي أو نفيه. الأخطر هو أن الرأي العام العالمي لم يعد مصدوما أصلا.
لقد اعتادت الشعوب فكرة أن السياسة مكان للكذب المنظم. وهذا أخطر انتصار حققته السلطة الحديثة: أن تجعل المواطنين يفقدون دهشتهم الأخلاقية. حين تموت الدهشة، تموت الديمقراطية ببطء. وهكذا تتحول المحاكمات الكبرى إلى مجرد فصول درامية داخل ماكينة هائلة لا تتوقف؛ تسقط أسماء، وتظهر أسماء، لكن البنية العميقة للسلطة تبقى دائما قادرة على إعادة إنتاج نفسها، مثل وحش رمادي يغيّر جلده دون أن يغيّر شهيته. إن محاكمة التمويل الليبي ليست قضية جنائية فقط.
إنها مرآة مخيفة لعصر كامل. عصر أصبحت فيه الحقيقة نفسها تفاوض على ثمنها.
