بقلم ماركو باراكو, محلل سياسي-إيطاليا
في عصر بات فيه الأمن الغذائي هاجسا عالميا يطارد الحكومات والشعوب، لم تعد الزراعة مجرد عملية إنتاجية تعتمد على الماء والتربة والتقنيات الحديثة، بل تحولت إلى معادلة جيوسياسية معقدة، يرتبط فيها الإنتاج بالسيطرة على الموارد الاستراتيجية. وعلى رأس هذه الموارد يأتي الفوسفاط، ذلك العنصر السحري الذي يشكل العمود الفقري لصناعة الأسمدة الحديثة، والتي لا يمكن للزراعة العالمية أن تستغني عنها ولو ليوم واحد.
يعد المغرب بحق أحد أبرز اللاعبين الكبار في هذه اللعبة المحفوفة بالتحديات. فهو يمتلك ما بين سبعين وخمسة وسبعين بالمائة من الاحتياطات العالمية المعروفة من الفوسفاط، وهو رقم مذهل إذا ما علمنا أن هذه الاحتياطات تتجاوز خمسين مليار طن. وتدير مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط الحكومية هذه الثروة بكفاءة عالية، مما جعل المغرب أكبر مصدر للفوسفاط ومشتقاته في العالم، وأحد الركائز الأساسية التي تستند إليها سلاسل التوريد الزراعية في القارات الخمس.

لكن الأحداث الأخيرة التي شهدها مضيق هرمز كشفت عن هشاشة مذهلة في سلاسل التوريد العالمية. فالتوترات الجيوسياسية في هذا الممر الحيوي لم تكن مجرد أزمة عابرة، بل هزة عنيفة أيقظت العالم على حقيقة مؤلمة: أمننا الغذائي رهينة لممرات مائية يمكن أن تغلقها نزوة سياسي أو صواريخ عابرة. وقد انعكس ذلك مباشرة على أسعار الأسمدة، حيث قفزت أسعار اليوريا بنسبة تتراوح بين ثلاثين وأربعين بالمائة، ولم تسلم أنواع الفوسفاط الأخرى من هذه الموجة التضخمية الغاضبة.
ومع أن هذه التطورات تبدو في ظاهرها مقلقة، فإنها تحمل في طياتها بذور فرص استثنائية، لا سيما بالنسبة لإيطاليا. فهذا البلد الذي يمتد كجسر طبيعي في قلب البحر الأبيض المتوسط يتمتع بميزة جغرافية نادرة. فقربه من شمال إفريقيا وبالأخص من المغرب يجعله أقرب البوابة الأوروبية إلى هذا الكنز الفوسفاطي الهائل. والمسافات البحرية بين البلدين قصيرة، والنقل سهل مقارنة بالطرق التجارية الأخرى المتعرجة والمحفوفة بالمخاطر.
إن الطموح الإيطالي لا يمكن أن يقف عند مجرد استيراد المواد الخام. فالفرصة أكبر من ذلك بكثير. فبإمكان إيطاليا أن تتحول إلى المركز الأوروبي الرئيسي لاستقبال وتوزيع الفوسفاط المغربي، بل وأبعد من ذلك، إلى منصة صناعية متكاملة تشمل تطوير الموانئ، وإنشاء مراكز لوجستية متخصصة، وإقامة صناعات تحويلية مرتبطة بالأسمدة. إنه مشروع استراتيجي واسع يضع إيطاليا في قلب معادلة الأمن الغذائي الأوروبي بأكمله.
ولن تقتصر آثار هذا المشروع على المستوى القاري فحسب، بل ستمتد إلى الداخل الإيطالي بفوائد اقتصادية جمة. فهو سيخلق آلاف الوظائف الجديدة، وينعش الصناعات الوطنية، ويدعم الشركات العاملة في مجالات الهندسة والنقل البحري والبنية التحتية. كما أنه سيعزز مكانة إيطاليا كمركز اقتصادي محوري في أوروبا، ويعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي في المنطقة.
والأجمل في الأمر أن تعزيز التعاون بين إيطاليا والمغرب ليس حلما يطل من نافذة المستقبل البعيد، بل هو مسار بدأ أصلا في التشكل. فخلال السنوات الماضية، شهدنا دعماً ماليا ومؤسساتيا لمشاريع مرتبطة بقطاع الفوسفات، مما أتاح للشركات الإيطالية فرصا حقيقية لدخول شراكات صناعية واعدة. وما نحتاجه اليوم هو القفزة النوعية التي تحول هذه الشراكات إلى تحالف استراتيجي دائم.
التحديات العالمية الكبرى التي نعيشها اليوم لا تحتمل التردد أو الانشغال بالخلافات السياسية الداخلية. إنها تتطلب رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وشجاعة في اتخاذ القرارات المصيرية. إن توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية طويلة الأجل مع المغرب في مجال الفوسفات يمكن أن يكون الخطوة الحاسمة التي تعيد تعريف الأمن الغذائي الأوروبي، وتجعل من إيطاليا بوابة القارة القديمة نحو مستقبل أكثر أمنا واستقرارا
في عالم يشهد تغيرات متسارعة وصراعات اقتصادية متزايدة، لم تعد الموارد الطبيعية مجرد ثروات اقتصادية نتبادلها بالعملات، بل تحولت إلى أدوات قوة ونفوذ، وأسلحة في حروب الجيل الجديد. والفوسفات المغربي خير مثال على هذه الحقيقة الجديدة. الفرصة متاحة اليوم أمام إيطاليا كما لم تكن من قبل، لتوظيف موقعها الجغرافي وقدراتها الصناعية من أجل لعب دور قيادي في منطقة البحر الأبيض المتوسط. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ليس ما إذا كانت هذه الفرصة موجودة أم لا، بل ما إذا كانت إيطاليا وأوروبا على استعداد لاغتنامها قبل فوات الأوان. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والبحر الأبيض المتوسط لا يرحم من يغفل عن موجاته العاتية.
📲 Partager sur WhatsApp