عبد الله شوكا, كاتب وصحافي – المغرب
قبل سنوات، قيل إن العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء ستتحول إلى مدينة المال والأعمال، وقيل أيضا إنها ستضاهي مدينة دبي الإماراتية في جمالها وعمرانها. غير أن السنوات التي تعاقبت حملت معها واقعا مغايرا، إذ بدا أن وجه الدار البيضاء يزداد كآبة عامًا بعد آخر، حتى فقدت المدينة كثيرا من بريقها الذي طالما تغنى به البيضاويون. ويا للحسرة على زمن الستينيات والسبعينيات، حين كانت الدار البيضاء عنوانا للأناقة والنظافة والرقي. كان وسط المدينة مقصدا للزوار، ووجهة لا يمل المرء من ارتيادها ولو مرة واحدة في الأسبوع. كانت الساحات العمومية تنبض بالحياة والجمال، تتقدمها ساحة مارشال اليومي، إلى جانب ساحة وادي المخازن، وساحة الأمم المتحدة، والنافورة الشهيرة التي كانت تعج بالحمام، فضلا عن المعرض الدولي الذي كان يستقطب الزوار من مختلف أنحاء المغرب.
أما اليوم، فلا يحتاج المرء إلى كثير من التأمل ليخلص إلى أن الدار البيضاء تسير، للأسف، في مسار من التراجع المستمر. ومن أبرز الشواهد على ذلك الوضعية المزرية التي آلت إليها ساحة ماريشال، التي تحولت إلى فضاء مهمل، تنتشر فيه الأوساخ، وتعبث به الكلاب الضالة، ويحتله سكارى الليل، فضلا عن تجمعات المتشردين، والنصابين، وطالبي الصدقة، في مشهد لا يليق بمدينة يفترض أنها الواجهة الاقتصادية للمملكة. وتزداد المفارقة غرابة عندما نعلم أن هذه الساحة تشكل معبرا يوميا للسياح الأجانب من مختلف الجنسيات، بحكم وجود عدد من الفنادق الكبرى على مقربة منها، وفي مقدمتها فندق حياة ريجنسي، الذي يستقبل زوارا ورجال أعمال من مختلف أنحاء العالم. فكيف يمكن لمدينة تطمح إلى تعزيز جاذبيتها السياحية والاستثمارية أن تترك إحدى أبرز ساحاتها بهذا الوضع المؤسف؟
والأكثر إثارة للاستغراب أن ساحة ماريشال خضعت مؤخرا لأشغال توسعة وإصلاح، غير أن آثار تلك الأشغال لم يلمسها المواطنون على أرض الواقع. فما تزال الأرضية غير مهيأة بالشكل المطلوب، تعاني الحفر والاتّساخ، وتفتقر إلى التبليط اللائق الذي يوفر الراحة للمارة ويضفي على المكان رونقا يليق بمدينة في حجم الدار البيضاء، على غرار ما هو موجود في الساحات الكبرى بمدن سياحية مثل مراكش وأكادير. إنه سؤال مشروع نوجهه إلى ولاية جهة الدار البيضاء – سطات، وإلى مختلف المجالس المنتخبة التي تعاقبت على تدبير شؤون العاصمة الاقتصادية: أين ذهبت مشاريع التأهيل؟ وأين أثر الميزانيات التي رصدت لإعادة الاعتبار لفضاءات المدينة العمومية؟
ولعلّ المقارنة بين ساحات مدينة مراكش وساحات الدار البيضاء تكشف حجم الهوة بين المدينتين. ففي مراكش يشعر الزائر بأنّه يتجول في مدينة سياحية عالمية، حيث الساحات المبلطة برخام أنيق، والنافورات المتدفقة، والمساحات الخضراء التي تمنح المكان بهاء خاصّا. أما الدّار البيضاء، التي يفترض أن تكون قاطرة الاقتصاد الوطني، فإنها تفقد يوما بعد يوم جزءا من هويتها وجاذبيتها، في ظل غياب رؤية واضحة تعيد إليها ما تستحقه من عناية واهتمام.
وإلى أن تتحرك الجهات المسؤولة، وتباشر إصلاحا حقيقيا يعيد الاعتبار لهذه الساحة التاريخية، ستظل ساحة ماريشال تروي بصمت قصة الإهمال، وستبقى مرتعا للمتشردين، وسكارى الليل، وطالبي الصدقة، وكل المظاهر التي تشوه صورة العاصمة الاقتصادية في أعين البيضاويين والسياح الأجانب على حد سواء. ويبقى السؤال الأخير، الذي يحمل في طياته كثيرا من المرارة: هل سيغضب الماريشال ليوطي لو عاد اليوم، وشاهد الوضع الذي آلت إليه الساحة التي ما زالت تحمل اسمه؟
📲 Partager sur WhatsApp