بقلم زكية لعروسي, باريس
إلى يد تفرك الخبز بزيت الزيتون في صباحات الشتاء، إلى لهجة ترتجف في آخر المكالمة الهاتفية، إلى رائحة صابون بلديّ خرجت من ذاكرة بعيدة ولم تعد تعرف الطريق إلى الأسواق الحديثة. الوطن في المهجر لا يرى… بل يُشمّ، يُتذكّر، يُوجع. وهكذا تصبح “تامغرابيت” شيئا أكبر من شعار فولكلوري يُرفع في المهرجانات أو يُستهلك في خطابات المناسبات. ليست قفطانا يُعرض أمام الكاميرات، ولا طبق كسكس يقدَّم للحنين السريع. تامغرابيت الحقيقية كائن حيّ، مخلوق من تعب الأمهات، ومن اللغة التي كانت الجدات يرقّعن بها خوف الأطفال، ومن ذلك الحزن المغربي العتيق الذي يشبه مواويل البحارة العائدين من آخر البحر.
في المهجر، نفهم المغرب أكثر. ليس لأننا ابتعدنا عنه، بل لأن المسافة تعرّي الأشياء من زينتها الكاذبة. نراه كما يرى أبطال الروايات الروسية أرواحهم في ليالي الثلج الطويلة: بلدا جريحا، متناقضا، جميلا إلى حدّ الألم. وطنا يضحك في الأعراس ويبكي في الإدارات. وطنا يخبئ الفقر خلف النعناع، ويقاوم الانكسار بالنكتة، ويصنع من الخبز القليل مائدة تكفي الجميع.
نحن أبناء “تامغرابيت” الذين لم يتعلموا الوطن من الفنادق الفاخرة ولا من صالونات النخبة المعزولة عن الشارع، بل من المدارس العمومية حيث كانت الطباشير تنهار كأعصاب المعلمين، ومن الأسواق الشعبية حيث تختلط الفوضى بالحكمة، ومن الأزقة التي تُربّي الإنسان على الصبر أكثر مما تُربّيه الجامعات على المعرفة. لهذا تبدو بعض الخطابات عن الهوية سخيفة ومعلّبة. يتحدثون عن “تامغرابيت” كأنها تحفة زجاجية محفوظة في متحف، بينما نحن نعرف أنها خبز ساخن، وعرق عمّال، ونساء يرفعن البيوت فوق ظهورهنّ ثم يبتسمن كأن شيئا لم يحدث. تامغرابيت ليست شعارا يُحتكر. ليست مُلكا لمن يصرخ أكثر، ولا لمن يوزع صكوك الوطنية من برج مرتفع لا يسمع ضجيج الناس. بل هي ذلك الامتزاج العجيب بين الكرامة والبساطة، بين التدين الشعبي والذكاء الفطري، بين الأمازيغية والعربية والحسّانية والإفريقية والأندلسية… كأن المغرب لم يكن دولة فقط، بل قارة صغيرة تتعلم يوميا كيف تتعايش مع تناقضاتها دون أن تنفجر.
وفي المهجر، تتخذ “تامغرابيت” شكلا أكثر تعقيدا وأعمق صدقا. هنا، في المدارس الأوروبية، يكتشف الطفل المغربي لأول مرة أن اسمه “صعب النطق”. وفي الأسواق، تتعلم الأم كيف تخفي خوفها من اللغة الجديدة بابتسامة مرتبكة. وفي الإدارات، يصبح الانتماء امتحانا يوميا بين الاندماج وفقدان الذات. لكن أبناء المهجر الحقيقيين لم يعيشوا المغرب من خلف زجاج النوستالجيا الرخيصة. لم يحملوه كأيقونة ميتة، بل كجسد حيّ يتطور ويتألم ويخطئ. نحن لم نأت لنحوّل الوطن إلى أسطورة مقدسة بلا نقد، بل لنحمله معنا إلى المستقبل، بكل جراحه وأحلامه.
لهذا فإن “تامغرابيت المهجر” يجب أن تحترم. يجب أن يُفهم أن المرأة المغربية في المهجر ليست مجرد صورة تقليدية محنطة داخل خطاب محافظ يخاف الحياة. إنها امرأة عبرت الحدود، ربّت أبناءها بلغتين أو ثلاث، قاتلت الوحدة والعنصرية والعمل القاسي، وحملت الوطن داخل حقيبة التسوق وفي دفاتر المدرسة وفي خوفها اليومي من أن تضيع اللغة من أفواه أطفالها. الأم المغربية في المهجر ليست تفصيلا اجتماعيا. إنها آخر حصون الهوية. هي التي تحرس العربية والأمازيغية من الذوبان، وهي التي تخيط الذاكرة كل مساء حين تطهو الحريرة كأنها تستدعي المغرب من الغياب. الأم هناك ليست امرأة فقط؛ إنها وزارة ثقافة متنقلة، وأرشيف عاطفيّ يقاوم النسيان. ولذلك فإن احتقار “تامغرابيت المهجر” أو التعامل معهنّ ككائنات ناقصة الانتماء، هو احتقار للمغرب نفسه. لأن الوطن لا يُقاس بمكان الإقامة، بل بمقدار ما نحمله منه داخلنا.
نحن أبناء المهجر لسنا مغاربة أقلّ. بل ربما نحن أكثر التصاقا بالمعنى الخام للوطن، لأننا نعرف كم يكلف الاحتفاظ به حيا داخل المنفى. في المهجر، يصبح الدفاع عن الهوية معركة يومية ضد الذوبان الكامل وضد الانغلاق الكامل أيضا. فهناك من يريد للمغربي أن يذوب حتى يختفي، وهناك من يريد له أن يتحول إلى حجر خائف يرفض العالم. لكن “تامغرابيت” الحقيقية لا تعني الذوبان ولا التقوقع، بل القدرة العجيبة على الامتزاج دون الانمحاء. تماما كالشاي المغربي: يختلط الماء بالنار بالسكر بالنعناع… لكن النكهة تبقى مغربية بشكل لا يخطئه القلب.
المثقف المغربي في المهجر يعرف هذه الحقيقة جيدا.يعرف أن الهوية ليست سجنا، بل نهر. وأن الوطنية ليست صخبا، بل قدرة على حمل الوطن بكرامة داخل عالم متغير. لهذا يجب أن نتوقف عن صناعة “ثقافة حسب المقاس”، وعن اختزال الجالية المغربية في صورة واحدة جامدة. فالمغرب الذي يسكن المهجر ليس مغرب القوالب الجاهزة، بل مغرب البشر الحقيقيين: الطلبة، السائقين، الفنانين، الأمهات، العمال، الشعراء، والمراهقين الذين يحاولون اكتشاف ذواتهم بين لغتين وثلاث قارات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الحديث عن الهوية إلى محكمة تفتيش، يسأل فيها الناس: “هل أنتم مغاربة بما يكفي؟” الوطن ليس امتحان نقاء. الوطن حضن. و”تامغرابيت” ليست خطابا متشنجا يطارد الاختلاف، بل قدرة خارقة على احتواء التناقضات دون فقدان الروح. لهذا، حين نتحدث عن “تامغرابيت” من المهجر، فنحن لا نتحدث عن ماض متحجر، بل عن مشروع حيّ. عن هوية تمشي في شوارع باريس وبروكسيل وأمستردام ومونتريال، لكنها ما تزال تحفظ دعاء الأم، وتبكي حين تسمع أغنية قديمة لعبد الهادي بلخياط، وتبتسم لرائحة الخبز المغربي كأنها عادت فجأة إلى طفولتها. نحن أبناء المهجر لا نحمل المغرب كصورة سياحية. نحمله كجرح جميل. ولهذا سنظل نكتبه، لا لأننا نعيش بعيدا عنه، بل لأن الوطن الحقيقي هو ذلك الذي يسكن اللغة… حتى حين تضيق الأمكنة.
📲 Partager sur WhatsApp